العراق يعود إلى واجهة الأخبار من بوابة الناتو

محمد الصالحين الهوني – العرب:
بعثة الناتو مصمّمة لمساعدة العراق على بناء مؤسسات أمنية مستدامة، لكن تحقيقه يتطلب حلفاً يُدرك أن بناء الدولة أصعب.
في الثاني والعشرين من أيار – مايو، في قاعدة عسكرية على مشارف نابولي، جرت مراسم تسليم وتسلم صامتة لقيادة بعثة حلف الناتو في العراق. الجنرال الفرنسي كريستوف هنتزي سلّم قيادة البعثة إلى نظيره الإسباني راموس أرمادا، في حضور عدد محدود من الضباط. لم يكن المشهد بالبريق الذي يليق بالمناسبة – لكنه كان بالغ الدلالة. بعثة أُجليت من بغداد إلى إيطاليا في آذار – مارس الماضي على وقع أزمة إقليمية مشتعلة، تبحث الآن عن طريقها للعودة، في إشارة إلى أن العراق لم يخرج من حسابات الحلف، بل ازداد أهمية في معادلاته.
قال هنتزي لوكالة أسوشيتد برس بعد المراسم مباشرة: “هيئة الأركان تعمل على خيارات متعددة للسماح للبعثة بالعودة إلى العراق. أين؟ ومتى؟ وكيف؟ لا نعرف بعد. لكن العزيمة موجودة”. ثم أضاف: “لن نعود بالتشكيل ذاته. ستكون بنية أصغر بكثير.” وحين سُئل إن كان قد فهم قرار الإجلاء أصلاً، أجاب بصراحة نادرة من ضابط رفيع: “لم أفهمه كثيراً. بصراحة أصابني بشيء من الصدمة، لأننا كنا نملك خططاً للإبقاء على نحو ثلاثمائة شخص هناك في أمان. لم نكن في خطر حقيقي أبداً، حتى في أحلك اللحظات.”
هذا التصريح يُلقي الضوء على ما حدث في آذار – مارس الماضي، وعلى ما يُخطَّط له الآن. في العشرين من ذلك الشهر، غادر آخر أفراد بعثة الناتو في العراق بغداد، بعد أن أُعيد تمركز جميع الكوادر – نحو ألف وثلاثمائة شخص – إلى أوروبا في دورتين متتاليتين، على خلفية اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير. وكانت إيران قد ردّت بضربات طالت أهدافاً في العراق ومنطقة الخليج وصفتها بأنها مرتبطة بالتحالف. الناتو اختار الإجلاء الكامل. والسؤال الذي يطرحه هنتزي ضمناً هو ما إذا كان ذلك الاختيار كان صواباً من الأساس.
مراسم نابولي الصامتة كشفت أن الناتو لم يتخلّ عن العراق بل أعاد تموضعه مؤقتًا ويخطط للعودة تدريجيًا ببعثة أصغر وأكثر تخصصًا
التاريخ يُضيء السياق. بعثة الناتو في العراق أُطلقت في تموز – يوليو 2018 بناءً على طلب الحكومة العراقية، وتأسست في بغداد في تشرين الأول – أكتوبر من العام ذاته بعد هزيمة داعش. مهمتها الجوهرية غير قتالية: تقديم المشورة لمسؤولين في وزارة الدفاع والداخلية ومكتب المستشار للأمن القومي، وتطوير برامج التعليم العسكري الاحترافي، مع احترام تام لسيادة العراق وقراراته المؤسسية. ما كان يُقدَّر بنحو سبعمائة وخمسين شخصاً من إحدى وعشرين دولة، إلى جانب خمسمائة متعاقد، يعملون لبناء قدرات أمنية مستدامة. ليس جيشاً يقاتل – بل مدرسة تُعلّم.
لكن حين اشتعلت المنطقة في مطلع هذا العام، أصبحت هذه البعثة المدنية الطابع رهينةً لحسابات كانت تتجاوزها بكثير. العراق، دولة يتقاطع على أراضيها نفوذ إيران ووجود الولايات المتحدة وتاريخ داعش وطموحات الميليشيات، وجد نفسه مرة أخرى في قلب الزلزال لا بإرادته، بل بحكم جغرافيته التي لا تتغير.
هذه الجغرافيا هي ما يجعل قرار الناتو بدراسة العودة منطقياً ومُلحاً في آن. العراق يحتل موقعاً استراتيجياً فريداً بين إيران وسوريا والخليج والأردن وتركيا. أراضيه تمتد على طريق الربط البري بين المشرق وآسيا الوسطى، وثروته النفطية تجعله لاعباً لا يمكن تجاهله في أسواق الطاقة. والأهم في السياق الراهن: وجود قوات أميركية وغربية على أراضيه يُشكّل ورقة ضغط على إيران لا يريد الغرب التخلي عنها.
لكن ما يجعل الملف العراقي شديد التعقيد هو أن هذا الوجود ذاته ينقسم حوله العراق من الداخل. جزء كبير من الطبقة السياسية العراقية، وعلى رأسهم الفصائل المسلحة الموالية لإيران والمنضوية تحت لواء الحشد الشعبي، ترفض أي وجود غربي وتعدّه انتهاكاً للسيادة. هذه الفصائل لم تكتفِ بالخطاب السياسي – بل استخدمت الطائرات المسيّرة والصواريخ ضد القواعد التي تستضيف قوات التحالف، وهي قادرة على رفع وتيرة هذه الهجمات إذا شعرت أن وجود الناتو يتوسع. في المقابل، تعترف مؤسسات أمنية عراقية رسمية بأن الدعم التدريبي الغربي ضروري لمنع عودة داعش وتحسين قدرات الجيش النظامي.
هذا الانقسام الداخلي هو التحدي الحقيقي أمام الناتو، وليس الهندسة اللوجستية للعودة. الحلف يستطيع بناء قاعدة أصغر وبعثة أخف — هنتزي قال صراحةً إن العودة ستكون “تدريجية ووفق سيناريوهات متعددة قيد الدراسة”. لكن ما لا يستطيع الحلف إنتاجه هو الإجماع السياسي العراقي الذي يمنح هذه العودة شرعية غير مطعون فيها. وفي غياب هذا الإجماع، كل خطوة إلى الأمام ستُنتج رد فعل مضاداً من الفصائل التي ترى في كل جندي غربي مثار استفزاز.
التحدي الحقيقي ليس لوجستيات العودة بل الانقسام العراقي الداخلي حول الوجود الغربي حيث يتقاطع دعم المؤسسات الرسمية مع رفض الفصائل المسلحة الموالية لإيران
يُضاف إلى ذلك البُعد الإقليمي الأوسع. الحرب على إيران أظهرت أن البنية الأمنية في الشرق الأوسط أكثر هشاشة مما كان يُفترض. خطوط الملاحة عبر هرمز تعطلت. الموانئ والقواعد الجوية تعرضت لهجمات. ومستقبل منظومة الردع الغربي في المنطقة بات موضع تساؤل. في هذا السياق، تراجع الناتو عن العراق لم يكن رسالة طمأنة – بل فراغ يتسابق الآخرون على ملئه، من موسكو التي تُراوغ إلى طهران التي تُحاول إعادة ترتيب أوراقها.
والعراق نفسه أمام اختبار يُجسّد حجم التحدي: هل تستطيع بغداد أن تُحافظ على علاقات مع الغرب تخدم مصالحها دون أن تُحوّل أراضيها إلى ساحة للصراع المفتوح بين المعسكرين؟ هذا سؤال لا يُجيب عنه الناتو، ولا حتى واشنطن – بل يُجيب عنه القرار السياسي العراقي في الداخل. والإجابة الجيدة ليست الاختيار بين طهران وواشنطن، بل استثمار التنافس بين الاثنتين لتعزيز موقف العراق لا لإضعافه.
ما كشفته مراسم نابولي الصامتة هو أن الناتو لم يتخلَّ عن العراق – بل أُجبر على إعادة التفكير في كيفية الحضور. والفارق بين البعثة الأولى والثانية لن يكون في الأعداد فقط، بل في القدرة على قراءة الواقع العراقي بدقة أكبر مما قُرئ من قبل.
البعثة مصمّمة لمساعدة العراق على بناء مؤسسات أمنية أكثر استدامة وشفافية وفاعلية، بحيث يستطيع العراق وحده تحقيق الاستقرار ومكافحة الإرهاب ومنع عودة داعش. هذا الهدف لم يتغير — والحاجة إليه ازدادت. لكن تحقيقه يتطلب حلفاً يُدرك أن بناء الدولة أصعب من بناء القاعدة، وعراقاً يُدرك أن الدعم الخارجي الحقيقي لا يُعطى لمن يبحث عن ملاذ أمني فحسب، بل لمن يبني مؤسسات تستحق الدعم.
العودة التدريجية للناتو إلى بغداد ليست مجرد قرار عسكري – إنها رهان مشترك على أن العراق يريد فعلاً أن يُبنى.




