رأي

الزر النووي.. ليتوانيا تفتح الأبواب أمام الأسلحة النووية

إيلينا سينياوسكايا – صحيفة “إزفيستيا” الروسية

ليتوانيا تخطط لإلغاء الحظر الدستوري على نشر القواعد العسكرية الأجنبية والأسلحة النووية.

ليتوانيا تمهّد الطريق لنشر أسلحة نووية على أراضيها. فقد أيدت لجنة مختصة في البرلمان (السيما) بالفعل إلغاء الحظر المقابل في الدستور، والآن يتعيّن على البرلمان النظر في المبادرة. وفي فيلنيوس، يفسّرون هذه الخطوة بضرورة تعزيز ردع روسيا. لكن الخبراء يحذّرون: كلما تعمّقت الجمهورية في الخطط النووية لحلف الناتو، ارتفع خطر تعرّض أراضيها للضرب في حال نشوب صراع. فما الأسلحة التي قد تظهر في ليتوانيا؟ وكيف يمكن لروسيا أن ترد؟ التفاصيل في مادة “إزفستيا”.

الخروف الأسود
حُظر نشر القواعد العسكرية الأجنبية وأسلحة الدمار الشامل في دستور ليتوانيا عام 1992. والآن تنوي فيلنيوس إلغاء المادة المقابلة من القانون الأساسي للبلاد. وفسّر رئيس السيما، يوزاس أوليكاس، المبادرة بضرورة مواءمة التشريعات مع خطط الدفاع الجماعي لحلف الناتو.

“يقدّروننا عالياً في الناتو، لأننا نولي فعلاً اهتماماً كبيراً بالدفاع عن بلدنا. لكن عند تنسيق خطط الدفاع الجماعي المشتركة، وخاصة الردع، تبدو ليتوانيا في الحلف كالخروف الأسود، لأنها الوحيدة التي لديها قيد يمنع نشر قواعد عسكرية لدول أجنبية وأسلحة دمار شامل في بلدنا”، قال أوليكاس، وفقاً لوسائل إعلام ليتوانية.

وأشار أعضاء لجنة السيما للقانون والنظام، الذين أيدوا التعديل أيضاً، إلى أن رفع الحظر سيسهم في “ردع روسيا”.

وتتضمن المبادرة استبعاد المادة 137 من الدستور. ولإقرارها، يلزم إجراء تصويتين بفاصل لا يقل عن ثلاثة أشهر، وفي كل منهما يجب أن يؤيد التعديل ما لا يقل عن ثلثي النواب. ولإكمال الإجراء، قد تُمدَّد دورة السيما الخريفية حتى 13 كانون الثاني/يناير من العام المقبل. وقال أوليكاس: “من المحتمل أن تضطرنا الجداول والمواعيد التشريعية التي حددناها إلى تمديد الدورة الخريفية قليلاً، حتى نتمكن من إقرار هذه المادة من الدستور تحديداً”.

وعلى الرغم من الحظر، توجد بالفعل وحدات أجنبية في ليتوانيا. فبعد انضمام البلاد إلى الناتو عام 2004، لم يمنع الحظر نشر قوات الحلفاء. واستخدم عسكريو الحلف البنية التحتية الليتوانية، فيما كانت الوحدات تتناوب على الانتشار.

أهم منشآت البنية التحتية العسكرية في البلاد:

  • قاعدة شياولياي الجوية، حيث تُنشر طائرات الدوريات الجوية التابعة للناتو؛
  • حامية روكلا، حيث توجد وحدات ليتوانية وقوات متعددة الجنسيات تابعة للحلف؛
  • ميدانا بابراديه ورودنينكاي؛ ففي الأول يقع مخيم “هيركوس”، الذي أُنشئ للعسكريين الأميركيين، وفي الثاني تُبنى بلدة عسكرية للواء الألماني.

ووفقاً لبيانات الناتو في كانون الأول/ديسمبر 2025، تجاوز عدد القوات الخاضعة لقيادة الحلف في ليتوانيا 5 آلاف عسكري.

بالنسبة إلى موسكو، تمس هذه القرارات أمن عدة اتجاهات في آن واحد. فلدى فنلندا حدود طويلة مع شمال غرب روسيا، فيما تجاور ليتوانيا مباشرة مقاطعة كالينينغراد. وقد ورد ذكر الجيب الروسي نفسه مراراً في تصريحات السلطات الليتوانية بشأن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مع الناتو.

في أيار/مايو، قال وزير الخارجية الليتواني كيستوتيس بودريس إن الحلف يجب أن يُظهر قدرته على اختراق الدفاع الروسي في مقاطعة كالينينغراد: “يجب أن نُظهر للروس أننا قادرون على اختراق الحصن الصغير الذي بنوه في كالينينغراد. لدى الناتو وسائل، إذا لزم الأمر، لمحو قواعد الدفاع الجوي الروسية ومنظومات الصواريخ من على وجه الأرض”.

ووصف الكرملين تصريحاته بأنها تقترب من الجنون. وقال حينها السكرتير الصحفي للرئيس الروسي، دميتري بيسكوف: “لا أعتقد أن الأمر يستحق التعامل معه بجدية. هذا يشير بالأحرى إلى مدى تهوّر السياسيين هناك”.

كما ردت موسكو على المبادرة النووية الفنلندية خلال مرحلة مناقشتها. وحذّر بيسكوف من أن روسيا ستعتبر نشر أسلحة نووية في فنلندا تهديداً مباشراً، وستتخذ إجراءات مضادة. ووفقاً له، فإنها خطوة ستعزز المواجهة وتجعل فنلندا نفسها أكثر عرضة للخطر.

ومع ذلك، فإن إعادة تسليح دول البلطيق تجري بالفعل حتى من دون ذخائر نووية. فقد حصلت إستونيا على ست منظومات أميركية من طراز “HIMARS” في نيسان/أبريل 2025. وطلبت ليتوانيا ولاتفيا المنظومات نفسها، ثماني منظومات وستاً على التوالي. وفي تالين، ربطوا هذه المشتريات مباشرة بضرورة إصابة العدو في عمق أراضيه.

علاوة على ذلك، أبرمت لاتفيا وإستونيا، قبل ثلاث سنوات، اتفاقاً لشراء منظومات ألمانية متوسطة المدى من طراز “IRIS-T”. ووُصفت الصفقة بأنها واحدة من أكبر المشتريات الدفاعية منذ نيل الاستقلال.

ماذا يقول الخبراء؟
أحد السيناريوهات المحتملة قد يكون نشر طائرات مقاتلة فرنسية في ليتوانيا قادرة على استخدام صواريخ كروز برؤوس نووية، بحسب رئيس تحرير مجلة “الدفاع الوطني” إيغور كوروتشينكو. ويرى أنّ فيلنيوس تأمل في الانضمام إلى مبادرة رئيس الجمهورية الخامسة، إيمانويل ماكرون، بشأن توسيع الردع النووي الفرنسي ليشمل الحلفاء الأوروبيين.

ليتوانيا، في إطار سياساتها المعادية لروسيا، تُظهر رغبة في حشو أراضيها إلى أقصى حد بالوسائل القادرة على إلحاق أضرار غير مقبولة بروسيا، بما في ذلك الأسلحة النووية. وهذا خيار سياسي واعٍ تماماً للنخبة الحالية، يرى الخبير.

يرى الخبير أن ليتوانيا، في إطار سياساتها المعادية لروسيا، تُظهر رغبة في حشو أراضيها إلى أقصى حد بالوسائل القادرة على إلحاق أضرار غير مقبولة بروسيا، بما في ذلك الأسلحة النووية، معتبراً أنّ “هذا خيار سياسي واعٍ تماماً للنخبة الحالية”.

ويربط كوروتشينكو هذا المسار بمشاركة ليتوانيا المحتملة في إجراءات الناتو ضد مقاطعة كالينينغراد. وفي حال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة، لا يستبعد استخدام الأسلحة النووية التكتيكية الروسية ضد أهداف عسكرية في الجمهورية.

ويقول: “أي صراع عسكري سيعني أن ليتوانيا تشارك بنشاط في سيناريوهات احتلال مقاطعة كالينينغراد، بكل ما يترتب على ذلك من عواقب”.

أما المراقب السياسي أندريه ستاريكوف، فيرى أن المشاركة الأوثق لليتوانيا في البرامج النووية للحلفاء لا تعني بالضرورة نشر الذخائر نفسها. ففي المرحلة الأولى، قد يتعلق الأمر باستخدام أراضي الجمهورية ومجالها الجوي من قبل طيران قادر على حمل أسلحة نووية، وكذلك بإجراء تدريبات مماثلة.

ويوضح ستاريكوف: “هذا لا يعني أنه ستكون في ليتوانيا أو في البلطيق صوامع إطلاق محشوة برؤوس نووية، وأن الرئيس [الليتواني غيتاناس] ناوسيدا سيحصل على زر الإطلاق. هذا، بالطبع، سيناريو خيالي تماماً. لكن استخدام أراضيهم ومجالهم الجوي من قبل قاذفات استراتيجية قادرة على حمل أسلحة نووية يثير اهتمام الأميركيين من جهة، والناتو ككل من جهة أخرى”.

ويضيف أن الحلفاء لن يدعموا بالضرورة جميع مبادرات السلطات الليتوانية، إذ إن الدول الغربية مهتمة بالحفاظ على السيطرة على التصعيد في العلاقات مع روسيا، في حين أن المشاركة الأكثر نشاطاً في البرامج النووية تخلق مخاطر إضافية لليتوانيا نفسها.

ويقول ستاريكوف: “إذا شعروا بأنهم لم يعودوا قادرين، في أي لحظة، على البدء في الخروج من التصعيد وإعادة الوضع إلى الوراء، فمن المحتمل أن يتصرفوا بضبط أكبر ويحاولوا أيضاً كبح الجناح الشرق أوروبي، أي دول البلطيق. لكن بالنسبة إلى ليتوانيا نفسها، يخلق هذا القرار مخاطر إضافية، فهو يرفع درجة التصعيد ويجعل البلطيق هدفاً للضربات”.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى