رأي

السلطات اللبنانية وصندوق النقد: استهداف متطرّف وسافر لودائع الناس

كتب جو سروع في “الجمهورية”:

أعلن صندوق النقد، أنّ السلطات اللبنانية بدعم منه، قد توصلّت إلى برنامج إصلاح مالي شامل، يهدف إلى إعادة بناء الاقتصاد، استعادة الاستدامة المالية، تقوية الحوكمة والشفافية، إزالة المعوقات من أمام خلق الوظائف الجديدة ونموها، وزيادة الإنفاق الاستثماري الاجتماعي وإعادة الإعمار.

ويعتمد تمويل البرنامج بالإضافة إلى طلب السلطات اللبنانية لدعم الصندوق بما يوازي 3 مليارات دولار من وحدات سحب خاصة، على الموافقة المسبقة من شركاء لبنان في العالم، لتوفير التمويل اللازم والضروري، للتأكيد على أنّ البرنامج جدير مالياً وقادر على تحقيق أهدافه.


إنّ البرنامج الذي اتُفق عليه، مشروط بموافقة إدارة الصندوق، وكذلك مجلس إدارة الصندوق التنفيذي، وقد وافقت السلطات اللبنانية على القيام بعدد كبير من الإصلاحات المفصلية قبل اجتماع مجلس إدارة الصندوق.


كما أنّ السلطة اللبنانية تدرك تماماً الحاجة الملحّة إلى إطلاق برنامج إصلاحي متعدّد الجوانب، لتواجه التحدّيات على كل الصعد والاتجاهات والأوجه لتعيد الثقة إلى البلد، وتضع الاقتصاد على سكة نمو مستدام، في ظلّ استعادة القطاع الخاص لمستوى نشاطه الاقتصادي وقدرته على خلق فرص عمل جديدة. وفي هذا السياق ترتكز الخطة على أعمدة أساسية:
– إعادة هيكلة القطاع المالي لاستعادة جدوى المصارف وقدرة القطاع ليخصّص الموارد المالية لدعم عملية التعافي بفعالية.


– تحقيق الإصلاح المالي المطلوب، على أن يتزامن مع إعادة هيكلة الدين السيادي الخارجي، والذي سيؤكّد في النتيجة استدامة الدين، وبالتالي يفسح المجال أمام الإنفاق الاستثماري في الشأن الاجتماعي، وكذلك في إعادة الإعمار وتحديث البنى التحتية.


– إصلاح مؤسسات القطاع العام وتحديداً قطاع الطاقة، لتأمين الخدمات بالنوعية الجيدة من دون تجفيف الموارد العامة، تقوية الحوكمة. محاربة الفساد وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لتعزيز الشفافية والمحاسبة، بما فيها تحديث الإطار القانوني للمصرف المركزي وحوكمته، وكذلك اتخاذ تدابير وإجراءات المحاسبة، وإنشاء وتطوير نظام نقدي وأسعار صرف شفاف وذو صدقية.


وفي السياق، ورد في الاتفاق أنّ السلطات تتفهّم الحاجة إلى إطلاق الإصلاح في أقرب وقت ممكن، وعليه وافقت كذلك على إنجاز التدابير الآتية قبل اجتماع مجلس إدارة الصندوق للنظر في الاتفاق.


– موافقة مجلس الوزراء على استراتيجية إعادة هيكلة المصارف، والتي تعترف وتتعامل مسبقاً مع الخسائر الكبيرة في القطاع المصرفي، وفي الوقت ذاته، تحدّد خسائر المودعين الصغار وتحديد مدى الرجوع إلى موارد الدولة لتسديد دينها للمصارف المباشر وغير المباشر عبر المصرف المركزي.


– موافقة مجلس النواب على تشريع قرار عاجل لزوم تطبيق استراتيجية إعادة هيكلة المصارف، وعليه تُطلق عملية استعادة القطاع المصرفي صحته، والتي هي في أساس دعم استعادة النمو الاقتصادي.


– إطلاق عملية تقييم كل مصرف على حدة ومن الـ 14 مصرفاً الأكبر في القطاع بمساعدة مؤسسات مالية عالمية ذات سمعة جيدة وصدقية عالية.


– موافقة مجلس النواب على إدخال الإصلاحات الضرورية على قانون السرية المصرفية الحالي، بما يتوافق بهذا الشأن مع القوانين الدولية المرعية الإجراء لمحاربة الفساد، وكذلك إزالة المعوقات من أمام إعادة هيكلة فاعلة للقطاع المصرفي ومراقبة إدارة الضرائب، وكذلك الضبط والتحقيق في الجرائم المالية واستعادة الأصول.


– الاضطلاع بتحقيق خاص ومحدّد يتعلق بالأصول الأجنبية للبنك المركزي لتحسين شفافية المؤسسة الأساسية.


– موافقة مجلس الوزراء على استراتيجية مالية متوسطة المدى، تشمل إعادة هيكلة الدين العام، وهذا أمر ضروري لاستعادة استدامة الدين، صدقية سياسات الاقتصاد وإيجاد فسحة مالية لزيادة الإنفاق الاستثماري في الشأنين الاجتماعي وإعادة الإعمار.


– موافقة مجلس النواب على موازنة 2022 لاستعادة المحاسبة المالية.


– توحيد المصرف المركزي لأسعار القطع لعمليات في حسابات جارية تمت الموافقة عليها، والتي من شأنها أن تفعّل النشاط الاقتصادي وتعيد الصدقية والجدوى الخارجية، وستدعم بتطبيق ضوابط رأس المال بتشريعه رسمياً.


ويوصّف الاتفاق أزمة لبنان بغير المسبوقة، نتيجة تجليات انكشافات عميقة وضاغطة، حصيلة سنوات كثيرة من السياسات الماكرو اقتصادية غير المستدامة، والتي أوقدت الخلل الكبير في المالية العامة والذي تمثّل بحلقة تنامي العجز الداخلي والخارجي المفرغة، دعم سعر صرف للنقد الوطني مبالغ فيه، وزيادة في تمصرف القطاع المالي، النقص في الإصلاحات الهيكلية، ترافق مع مشاكل شفافية قاسية وكذلك محاسبة معدومة، خروج الرساميل في أواخر عام 2019، التخلّف عن سداد الديون السيادية في آذار 2020 ، تراجع عمودي في أسعار تداول العملة الوطنية، تضخم متفلّت، انفجار 4 آب 2020 ، والانعكاسات الاقتصادية لجائحة «كوفيد» والحرب في أوكرانيا وتداعياتها على التضخم…


ما سبق يوجز ما رأيت من الضروري تضمينه هذه المداخلة لفائدته، للإضاءة على أهم ما ورد في الاتفاق. من هذا المنطلق، أود في البداية أن ألفت الانتباه إلى أنّ توصيف أزمة لبنان، لم يتضمّن صراحة أو تلميحاً أي ذكر للهدر، والفساد أو حتى سوء الإدارة. والواقع أنّ محاربة هذه الأمور وتحديداً الفساد التي هي في أساس الأزمة اللبنانية، لم يرد في الاتفاق إلّا عرضاً، تحت عنوان إصلاح المؤسسات. إنّ الإصلاحات النوعية التي وردت في الاتفاق وذكرناها سابقاً كلاسيكية بمعناها الواسع وعلمية، تتبنّاها الاقتصادات المتقدّمة، وبديهية وضرورة ثقافية للاقتصادات النامية والأقل نمواً. العبرة في التنفيذ وفي آليات التنفيذ، والأهم ثقافة الأداء العام المحوكم جيداً بكل مفاصله وتفاصيله ومكوّنات الحوكمة، أي الـ ماذا WHAT في الإصلاح النوعي المطلوب تحقيقه. ولكن في هذا الإطار الـ كيف HOW يلزمها معرفة وخبرة والتزاماً، وكذلك بمن WHO ، أي مستلزمات: الموارد البشرية التقنية، والتحوّل الرقمي، قنوات التوريد، والاستدامة. أين نحن من كل هذا؟ ومن استعادة الثقة في القطاع العام؟ وحتى لو كان من المؤمل إن لم يكن من المفروض أن يدعم الصندوق عملية الإصلاح تقنياً.


أما في ما يتعلق باستعادة الثقة في إصلاح الاختلالات الهيكلية المزمنة في المالية العامة، هل تكفي إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وتحديداً الكهرباء والطاقة؟ ماذا عن باقي موارد الدولة الجمركية والضريبية والإنتاجية وحقوقها المهدورة؟ ماذا عن وسائل الإصلاح واستدامتها؟ وماذا عن الموارد البشرية؟ وماذا عن الوقت في بلد تهاوى مثل بيت من ورق اللعب HOUSE OF CARDS ، ويعاني من انهيار حرّ عمودي، وقطعاً لا يملك ليس فقط رفاهية الوقت بل كذلك رفاهية الزمن بحدّ ذاته؟


وهل إعادة هيكلة الدين العام الخارجي والمصرف المركزي والمصارف تكفي، إذا لم تتوافر الأسس المالية الجدّية والمقنعة؟ وكذلك إعادة تأهيل الموارد البشرية على أسس حديثة ومتقدمة؟ وكذلك فصل الملكية المصرفية عن الإدارة التنفيذية. وكذلك التدقيق الذي ذكرناه سابقاً في 14 مصرفاً من قِبل مؤسسات عالمية متخصصة، إذا لم يحدد مسبقاً وصراحة مصير دين المصارف عموماً عند الدولة، وكذلك مصير ودائعها ومصير الاحتياط الإلزامي في مصرف لبنان، إذا لم تؤمّن السيولة اللازمة والمستدامة لتستعيد المصارف الثقة؟


وهل إدخال الإصلاحات اللازمة على قانون السرية المصرفية الحالي لإزالة تحديداً المعوقات من أمام مراقبة إدارة الضرائب وكذلك الضبط والتحقيق بالجرائم المالية، واستعادة الأصول، يعيد الثقة إلى الدولة، في غياب دولة قد لا تضبط وقد لا تحقق، وفي حال ضبطت وحققت فهي لا تحاسِب؟


وهل التدقيق الخاص والمحدّد بالأصول الأجنبية للبنك المركزي لتحسين شفافية هذه المؤسسة الأساسية وإعادة هيكلتها وتحديث قوانينها المالية، يعيد الثقة إلى هذه المؤسسة في حال عدم تمكينها مالياً ونقدياً وإدارياً من إدارة على سبيل المثال وليس الحصر وللأهمية، السياسة النقدية بكل مفاصلها، سعر صرف، مستوى فوائد وإدارة تضخم.


إعادة الثقة إلى البلد لم تعد حصراً في مكوّن وطني واحد اقتصادياً كان أو مالياً أو نقدياً، وإن تفاوتت أوزانها، يبقى الأهم في تكاملها ومواءمتها الاقتصادية ECONOMIC SYNERGY ، مع هذا يبقى في رأيي الثقل بإعادة الثقة على عاتق الدولة، هي التي أوصلت البلد إلى ما هو عليه اليوم، وعليها تقع مسؤولية تمكين القطاع الخاص للبناء على ما تبقّى من أصوله وإمكاناته المالية لإعادة إحياء دوره في إعادة تكوين دعائم الاقتصاد الوطني وتكامل أنشطة قطاعاته المنتجة وتطوير وزيادة مساهمتها في الناتج المحلي. ويبقى كما ذكرنا، قطاع مصرفي فاعل وفعّال، المحرّك الأساس للاقتصاد. ومن أين لنا هذا؟ في حين يتضمّن الاتفاق كما ورد سابقاً، موافقة مجلس الوزراء على استراتيجية هيكلة المصارف التي تعترف وتتعامل مسبقاً مع الخسائر الكبيرة في القطاع، وفي الوقت ذاته تحديد خسائر المودعين الصغار وتحديد الرجوع إلى موارد الدولة لتسديد دينها للمصارف المباشر وغير المباشر. وكذلك موافقة مجلس النواب على تشريع قرار عاجل لزوم تطبيق استراتيجية إعادة هيكلة المصارف.


في ظلّ كل ما تقدّم، فإنّ الاتفاق كما سبق وأوردنا، مبني على شروط إصلاح مسبقة – ومن المعروف مهنياً أنّ الشروط المسبقة تكون قبل عملية السحب وليس قبل الموافقة على الاتفاق المبدئي. وهذا يشير في رأيي إلى عدم ثقة بتنفيذ الاتفاق – تتعلق بعمل مجلسي النواب والوزراء ليست بالجديدة، وإن كانت مستجدة والقديم على قدمه، والتعقيدات ذاتها والتحفظات ذاتها، و«الحماس» اللفظي للإصلاح في أوجّه. ومع هذا، على إصرارنا وتأكيدنا على الإصلاح الحقيقي والجدّي بشقيه النوعي والكمي، نرى أنّ بناءً على ما ورد صراحة في الاتفاق، أنّ عصب الاتفاق المالي، هو استهداف متطرّف وسافر لودائع الناس وأضحيته، ومسؤولية مالية محدودة، وإن كانت وجودية للمصارف ومثلها نسبياً للمصرف المركزي. وهذا لمصلحة الدولة التي هدرت وأهدرت وفسدت وأفسدت ونكرت وتنكّرت لمسؤوليتها في دينها. فأية ثقة ينشدون، وأية صدقية لقطاع مصرفي يدّعي الاتفاق، أنّ إعادة «هيكلة المصارف ستطلق استعادة القطاع المصرفي صحته، والتي هي في أساس دعم استعادة النمو الاقتصادي؟».


في الخلاصة، وفي رأيي، أنّ الاتفاق غير متوازن وفوقي، لمصلحة رؤية الصندوق وهاجس الاستدامة لاستعادة دينه، وكذلك تقاطع مصلحة الصندوق هذه ومصلحة الدولة لجهة نكران والتنكر لدينها الممول في معظمه الساحق بالمباشر وغير المباشر من ودائع الناس التي تمّ الانتقاص منها إلى الآن، بما يفوق طاقة المودعين وحولهم مادياً ومعنوياً، وهذه حالة خاصة لا أعتقد بحسب علمي أنّ الصندوق قد عرفها أو تعامل معها في عمقها واتساعها في أي بلد من البلدان التي يستحضر حلولها في معرض توصيف حل الحالة اللبنانية.


والغريب أنّ الصندوق وكذلك الوفدين السابق والحالي، اعتمدوا الحل الراديكالي لإطفاء الخسائر دفعة واحدة. في حين أنّ هناك جزءاً كبيراً من الدين المباشر وغير المباشر دون استحقاقه سنوات ليست بالقريبة.


والمستهجن، أنّه يبدو لي من المنطلق ذاته ومن الاتفاق الذي تمّ التوصل إليه، أنّ أياً من الاجتماعات العديدة والتي دامت على امتداد سنتين ونيف، بقيت في إطار المحادثات، ولم ترقَ إلى المفاوضات. ومما لا شك فيه والثابت في رأيي، أنّ الوقت الذي استُهلك للوصول إلى اتفاق غير متكافئ ومن طرف واحد، قد ضاعف إن لم يكن أكثر من كلفة الإنقاذ والتعافي. فخلال هذه المدة صُرف خلال السنتين الماضيتين على حدّ علمي ما يزيد على الـ20 مليار دولار.


صحيح ونقرّ بأنّ الاتفاق مع الصندوق شرط أساسي ومسبق لدعم أصدقاء لبنان وشركائه خطة تعافيه، ولكن ليس بأي ثمن. المطلوب من مجلس الوزراء أن يشارك المصارف والمصرف المركزي بتحديد الخسائر، وهذا التحديد يجب أن يكون بعد إعادة هيكلة المصارف والمصرف المركزي وليس قبلها. والمطلوب من مجلس النواب أن يراقب ويدّقق ويُحق الحق بتوزيع الخسائر، والمطلوب من الدول المانحة أن تعير الحالة اللبنانية المصرفية انتباهاً خاصاً لخصوصيتها، وعدم تصنيف الودائع بين صغيرة وغيرها، فالوديعة إما شرعية وإما غير شرعية. وإلّا نخشى أن يكون حساب حقل الاتفاق غير حساب بيدره.


وأخيراً وليس آخراً، يجب أن نبقى جميعاً على بيّنة تامة بأنّ الاقتصاد غير المسجّل والنقدي ينمو بسرعة، يديره عاملون اقتصاديون ECONOMIC OPERATERS ، مؤثرون بأنشطة اقتصادية متنوعة فعّالة، وأدوات عملية عملانية فاعلة وفعّالة، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر، سوق القطع السوداء التي من المحتمل أن يزداد عمقها واتساعها بوتيرة أسرع، في ظل قانون نظام مصرفي غير فاعل وقانون «كابيتال كونترول» يعزز الانتقائية والاستثناء، يزيد على الانتقاص من الودائع انتقاصاً.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى