رأي

الخروج من أوبك: الإمارات تعيد تعريف قواعد اللعبة النفطية

مختار الدبابي – العرب:

قرار الإمارات بالخروج من أوبك وأوبك+ هو تحرير منتجي النفط من وصاية كبار المنتجين، وإعادة تعريف قواعد اللعبة النفطية.

لم يكن قرار الإمارات الخروج من أوبك وأوبك+ وليد اللحظة السياسية الراهنة. كانت الخطوة متوقعة منذ سنوات حين ضغطت الإمارات لزيادة حصتها في السوق لتتماشى مع قدرتها على الإنتاج وتحقيق العدالة في توزيع الحصص وعدم احتكار الامتيازات لدول بعينها، ورهن منتجي النفط لأجندات غير اقتصادية. كما تهيأت لذلك من خلال ضخ استثمارات كبرى لخلق طاقة إنتاج كبرى يتم اعتمادها وقت الحاجة.

قرار الإمارات بالخروج من أوبك وأوبك+ من شأنه أن يكون له تأثير كبير ومباشر داخل المنظمتين وعلى الأسواق. لكن الأهم هو تحرير منتجي النفط من وصاية كبار المنتجين، وإعادة تعريف قواعد اللعبة النفطية. الأمر لا يقف عند الخلاف على الحصص، بل يعبر عن تصدع عميق في بنية التكتلات النفطية التي لم تعد قادرة على استيعاب تحولات السوق ولا طموحات أعضائها.

لكن لماذا الآن؟

يمكن قراءة توقيت الخطوة على أنه جزء من نتائج الحرب، فالإمارات خرجت قوية ووقفت على حقيقة مهمة، وهي ضرورة الاعتماد على الذات وقراءة حساب مصلحة الدولة قبل كل شيء. اكتشف الإماراتيون أن المؤسسات الإقليمية التقليدية غير ذات جدوى، والأمر نفسه بالنسبة إلى المؤسسات النفطية، التي أظهرت أن التحالفات هشة ولا تأثير لها، من ذلك أن روسيا كانت أقرب إلى موقف إيران في الحرب منه إلى شركائها في أوبك+ ممكن تضامنوا معها في وجه الضغوط الأميركية.

أوبك+ كانت التزمت بالحصص المسطرة في ذروة أزمة السوق حفاظا على مصالح روسيا التي كانت تحتاج إلى تثبيت سعر البرميل عند مستوى أعلى، وزيادة الإنتاج وخفض الأسعار وقتها كان خطوة كفيلة بأن توجه لموسكو ضربة قوية.

حين تصبح العدالة في توزيع الحصص مطلبًا غير قابل للتحقق من داخل المنظومة، يصبح الخروج منها خيارًا عقلانيًا ولا يعود السؤال: لماذا خرجت الإمارات؟ بل من سيكون التالي؟

والنتيجة الأوضح هنا أن حاجة السوق الآن تحتاج إلى فصل النفط والغاز عن الأجندات السياسية سواء من داخل كارتل المنتجين أو من جانب كبار المستهلكين، وأن يتم فقط الاحتكام لمعادلة العرض والطلب ومصالح كل دولة منتجة. هناك دول تحتاج إلى زيادة الإنتاج ومرونة في الأسعار من أجل توفير عائدات كافية لتمويل مشاريع متعددة في سياق استراتيجية تقليص الاعتماد على النفط، لكن هذا لا يتحقق بسبب ضغوط كبار المنتجين المتحكمين في قرار أوبك أو أوبك+، في وقت يفترض فيه أن تراعي الحصص مصالح الدول لا أن تتحول إلى قانون متكلس يعطي الأحقية لمنتجين على حساب منتجين آخرين.

وفي غياب آلية مرنة وعادلة لضبط الحصص، يصبح تحرير القرار الخطوة الأكثر منطقية لكثير من المنتجين، وهو ما انتهت إليه الإمارات بعد محاولات سابقة لتصويب الوضع والتوصل إلى آليات عادلة تنصف المنتجين. وينتظر أن يقود الموقف الإماراتي إلى تحولات كبيرة في التكتلات النفطية الدولية، وربما يقود إلى قرارات وانسحابات من دول أخرى تشعر بالضيم، وسبق لبعضها أن عبر عن ذلك في اجتماعات أوبك أو أوبك+.

وحرصت الإمارات على تأكيد أن قرار الانسحاب لا علاقة له بأي أجندات سياسة إقليمية أو دولية، وليس ردة فعل على بعض الأزمات الثانوية، وأنه يرتبط بشكل مباشر بمصالح الإمارات. وقال وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي الثلاثاء في تفسير هذه الخطوة إن “هذا قرار وطني سيادي يستند إلى الرؤية الإستراتيجية والاقتصادية طويلة الأجل لدولة الإمارات”.

ويحمل هذا التوضيح رسالة مبطنة تشير إلى أن القرار الإماراتي لا يأتي استجابة لرغبة إدارة ترامب، ولا يتعلق بتقييم ظرفي لتداعيات أزمة الحرب، وإنما هو تعبير عن مصلحة إماراتية خالصة. مع العلم أن الإماراتيين لديهم مؤاخذات على التعاطي الأميركي مع أمنهم القومي خلال الحرب، ما يجعل الحديث عن ارتباط موقفهم برغبة ترامب إسقاطا لاستنتاج غير واقعي.

وتهيأت الإمارات لمثل هذه الخطوة من خلال قرار اتخذته في ديسمبر 2021، حين أعلنت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) خطة استثمارية لإنفاق 127 مليار دولار خلال الفترة 2022 – 2026، كما أعلنت زيادة الاحتياطيات الوطنية للإمارات من النفط والغاز، في خطوة هادفة إلى جعل الإمارات قطبا إقليميا حاسما في مجالي النفط والغاز على المديين القريب والبعيد.

قرار الخروج هو موقف إماراتي من فشل مسار التفاوض مع أوبك+ بشأن زيادة الإنتاج بما يتلاءم مع قدرات الإمارات الإنتاجية. وكانت في خطوة أولى في الرفع من حصتها ضمن تحالف أوبك+ إلى 3.4 مليون برميل يوميًّا بدءًا من مايو 2022 بعد جدل مع شركائها في حين أن طاقتها الإنتاجية 4.8 مليون برميل يوميًا. وتمسكت الإمارات بطلبها تعديل العتبة التي حددت لها في السابق، والتي لم تكن تعكس قدرتها الإنتاجية ولا تتماشى مع مصالحها وخططها الاستثمارية الكبرى.

الأمر لا يقف عند الخلاف على الحصص بل يعبر عن تصدع عميق في بنية التكتلات النفطية التي لم تعد قادرة على استيعاب تحولات السوق ولا طموحات أعضائها

ومن شأن خروج الإمارات من التكتلات النفطية الدولية أن يشجع دولا أخرى على المطالبة بتحسين وضعها والحصول على حصص متماشية مع حاجتها ومصلحتها القومية وكسر الاحتكار الذي يسيطر على اتخاذ القرار. إما العدالة أو الخروج من أوبك، سيكون هذا محور الخطاب في المرحلة القادمة، وهو إلى ذلك سيظهر تلك التكتلات على حقيقتها، فقط تأسست العضوية داخلها بشكل غير متكافئ بأن تتم مراعاة مصالح دول بعينها بدلا من نظام يقوم على الندية والشراكة والعدالة.

ويرى مراقبون اقتصاديون أن الخروج من أوبك أمر يحتمه منطق السوق في مواجهة تكتلات مهترئة، وأن هذه الخطوة يمكن أن تحرر أوبك وأوبك+ من الهيمنة.

وتشير مبررات خروج الإمارات من منظمة أوبك وتحالف أوبك+ إلى خلل بنيوي في طبيعة هذه التكتلات، التي تأسست تاريخيًا على توازنات غير متكافئة بين الدول الأعضاء. فبدل أن تقوم على مبدأ الندية وتكافؤ المصالح، تشكّلت هذه المنظومات في سياقات سياسية واقتصادية منحت ثقلاً أكبر لدول بعينها، ما جعل عملية اتخاذ القرار داخلها أقرب إلى إعادة إنتاج موازين القوة، لا إلى تحقيق شراكة متوازنة. هذا الاختلال ينعكس مباشرة على سياسات الإنتاج والتسعير، ويضع قيودًا على الدول التي تمتلك طموحات لزيادة الإنتاج.

وفي هذا السياق، يبرز ملف توزيع الحصص كأحد أبرز مصادر التوتر. إذ لا يتماشى نظام الحصص المعتمد داخل أوبك وأوبك+ مع القدرات الإنتاجية الفعلية لبعض الدول، وفي مقدمتها الإمارات التي استثمرت بشكل كبير في رفع طاقتها الإنتاجية. هذا التباين بين القدرة الفعلية والسقف المفروض يخلق فجوة بين الإمكانات الاقتصادية المتاحة والعوائد الممكن تحقيقها، وهو ما يدفع باتجاه إعادة النظر في جدوى الالتزام بقيود لا تعكس الواقع الجديد لسوق الطاقة.

يمكن، كذلك، فهم الخطوة الإماراتية في ضوء منطق السوق أكثر من منطق التكتل. فأسواق الطاقة العالمية تشهد تحولات متسارعة، سواء من حيث تنوع مصادر الإمداد أو تزايد المنافسة أو تغير أنماط الطلب. في مثل هذا السياق، تصبح المرونة في الإنتاج والتسعير عاملًا حاسمًا، وهو ما يصعب تحقيقه ضمن أطر تنظيمية صارمة. لذلك، قد ترى الإمارات أن التحرر من هذه القيود يمنحها قدرة أكبر على التكيف مع ديناميكيات السوق، وتعظيم مكاسبها في بيئة تتجه نحو مزيد من التنافسية.

كما أن هذه الخطوة قد تحمل بعدًا يتجاوز الحسابات الوطنية الضيقة، لتطال بنية التكتلات نفسها. إذ يمكن أن تسهم في إضعاف أنماط الهيمنة داخل أوبك وأوبك+، وفتح المجال أمام إعادة صياغة أكثر توازنًا لقواعد اللعبة. فانسحاب دولة ذات وزن إنتاجي واستثماري مثل الإمارات قد يدفع نحو مراجعة آليات فرض الحصص، وربما يسرّع في انتقال هذه التكتلات من منطق التحكم المركزي إلى منطق التنسيق المرن.

لا يمثل خروج الإمارات من أوبك وأوبك+ نهاية علاقة مع تكتل نفطي بقدر ما يعلن بداية مرحلة جديدة في إدارة موارد الطاقة، عنوانها المرونة والسيادة وكسر القيود التاريخية. وإذا كانت هذه الخطوة قد بدت حتى وقت قريب استثناءً، فإنها مرشحة لأن تتحول إلى سابقة تعيد رسم خريطة التحالفات النفطية. فحين تصبح العدالة في توزيع الحصص مطلبًا غير قابل للتحقق من داخل المنظومة، يصبح الخروج منها خيارًا عقلانيًا، بل وربما ضرورة. وعند هذه النقطة تحديدًا، لا يعود السؤال: لماذا خرجت الإمارات؟ بل من سيكون التالي؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى