رأي

الحرب على إيران تقوض الغموض النووي الإسرائيلي

يوناتان توفال – صحيفة “فورين بوليسي”:

إنّ سياسة “الغموض النووي” الإسرائيلية قد تبقى قائمة شكلياً، لكنها تفقد تدريجياً وظيفتها السياسية والاستراتيجية.

في وقت سابق من هذا الأسبوع، وجّه 30 نائباً ديمقراطياً في مجلس النواب الأميركي رسالة إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، يحثّون فيها الولايات المتحدة على الاعتراف علناً ببرنامج “إسرائيل” النووي. وقد وصفوا، بقيادة النائب خواكين كاسترو، سياسة الصمت التي تنتهجها واشنطن منذ زمن طويل بأنها غير مبررة في خضم الحرب على إيران، وتساءلوا عما إذا كانت “إسرائيل” قد أوضحت أي “خطوط حمراء” لاستخدام الأسلحة النووية.

وطرح كاسترو سؤالاً تكمن قوته في بساطته: تناقش الولايات المتحدة علناً البرامج النووية لبريطانيا وفرنسا والهند وباكستان وروسيا وكوريا الشمالية والصين. فلماذا يُعامل برنامج “إسرائيل” النووي بشكل مختلف؟

كانت هذه الرسالة لتُعتبر ضرباً من الخيال قبل عقد من الزمن. وصفها أفنير كوهين، المؤرخ البارز لبرنامج “إسرائيل” النووي، بأنها خروج عن محظور دام نصف قرن في السياسة الأميركية. لأكثر من 50 عاماً، صمدت سياسة “إسرائيل” في التعتيم النووي أمام الحروب والأزمات الدبلوماسية والحملات السرية، بل وحتى الضربات المباشرة على البنية التحتية النووية الإيرانية.

كان الجميع يعلم أن “إسرائيل” تمتلك برنامجاً نووياً، لكن واشنطن احترمت سياسة البلاد الرسمية المتمثلة في عدم الاعتراف بوجوده علناً. وبدلاً من ذلك، ظل النقاش مُركزاً على ما تُطوره إيران، لا على ما تمتلكه “إسرائيل” بالفعل.

لقد غيّرت الحرب الأخيرة مع إيران هذا الإطار. فبمجرد أن أصبحت الأسلحة النووية في “الشرق الأوسط” موضوعاً معلناً للحرب الدولية، لم يعد بالإمكان إغفال ترسانة “إسرائيل”. إن تصريح ثلاثين عضوًا في الكونغرس بذلك علناً يُعدّ بحد ذاته دليلاً على حجم التغيير الحاصل.

لقد كسرت الحرب الأخيرة هذا الإطار بجعلها منع الانتشار النووي جزءاً لا يتجزأ من الخطاب العلني لصراع إقليمي واسع النطاق. هذه المرة، لم تعد القضية سرية، ولا محدودة، ولا غامضة. أصبح البرنامج النووي الإيراني الآن محور صراع مستمر وعلني تشارك فيه قوى عظمى، صراع يُزعزع أسواق الطاقة العالمية، ويُهدد الاستقرار الإقليمي، ويتصدر عناوين الأخبار الدولية يومياً. كان الهدف المعلن للحرب، والذي ردده مسؤولون أميركيون وإسرائيليون على حد سواء، هو تدمير القدرات النووية الإيرانية ومنعها من الحصول على سلاح نووي.

لم تكن الضربات على فوردو ونطنز وأصفهان إجراءات عقابية معزولة، بل كانت جزءاً من حملة مُصممة صراحةً للقضاء على البنية التحتية النووية الإيرانية. عندما يُشن صراع بهذا الحجم والوضوح حول الأسلحة النووية في “الشرق الأوسط”، يصبح الحفاظ على الغموض أمرًا بالغ الصعوبة.

لا يعني هذا أن “إسرائيل” على وشك التخلي عن التعتيم. فليس من المتوقع أن تتخلى أي حكومة إسرائيلية عن موقف خدمها لعقود مقابل أعباء الاعتراف الرسمي. لكن التعتيم قد يتلاشى دون أن ينتهي. فقد يبقى غلافه القانوني قائماً بينما تضعف وظيفته الدبلوماسية والاستراتيجية.

تتجلى التداعيات في بُعدين. الأول عملي. فالصراع المستمر يُبرز الجغرافيا الاستراتيجية لـ”إسرائيل” للعلن. عندما تضرب صواريخ إيرانية “إسرائيل”، وعندما تقع هذه الضربات في سياق صراع يدور صراحةً حول القدرات النووية، فإن مواقع مثل ديمونا – التي طالما كان من المفترض أن تبقى بعيدة عن الأنظار في إطار الردع – تدخل حيز التغطية الإعلامية المعتادة للحرب. النقطة الحاسمة ليست مجرد ما إذا كان المفاعل نفسه مستهدفاً، بل أن ديمونا أصبحت الآن جزءاً من الخريطة اليومية للصراع.

يُذكر اسمها في التقارير، وتُناقش في سياق مسارات الصواريخ، وتُحلل في سياق الضعف الاستراتيجي. هذا نوع مختلف من الوضوح عما كانت تُنتجه العمليات السرية السابقة أو الضربات المحدودة. إنه الوضوح الذي ينبع من كونها جزءاً من منطقة حرب نشطة.

أما البُعد الثاني فهو الخطابي. فالصراع يجعل المسائل النووية جزءاً روتينياً من النقاش العام، على نحوٍ كان من المفترض أن يمنعه التعتيم. ويُدرج المسؤولون الإيرانيون والمحللون الإقليميون والمعلقون الغربيون بشكل متزايد الردع الإسرائيلي في تحليلاتهم للصراع.

ظهر هذا التحول حتى على أعلى المستويات في واشنطن. فبعد أن أثار ديفيد ساكس، كبير مستشاري البيت الأبيض، احتمال استخدام “إسرائيل” للأسلحة النووية في حال تصاعد الحرب، سُئل ترامب عن ذلك فأجاب : “إسرائيل لن تفعل ذلك. إسرائيل لن تفعل ذلك أبداً”.

لم يرقى هذا الحوار إلى مستوى الاعتراف الرسمي، لكن مجرد رد رئيس أميركي علناً على السؤال شكّل تغييراً. فما كان يُحجب سابقاً عن التعليقات الرسمية المعتادة، أصبح يُدار الآن علنًا من خلال التطمينات والنفي. أما رسالة الكونغرس، فتمثل بدورها شيئاً مختلفاً. فبينما كان حوار ساكس مرتجلاً، كانت الرسالة مدروسة. بل إنها تنتمي إلى إعادة تقييم ديمقراطية أوسع نطاقاً للعلاقة الأميركية الإسرائيلية.

ومما يزيد الأمر تعقيداً أن “إسرائيل” قد تفقد احتكارها للغموض الاستراتيجي. يبدو أن قدرة إيران النووية الكامنة قد تضررت، لكنها لم يقضَ عليها تماماً. إذا توغلت طهران أكثر في المنطقة الرمادية – أي امتلاك القدرة على إنتاج أسلحة نووية دون تجاوز العتبة علناً – فستضم المنطقة دولتين تعيشان في غموض ذي عواقب استراتيجية وخيمة.

بالطبع، إذا تجاوزت إيران هذا الحد علناً في نهاية المطاف، سيزداد الضغط على موقف “إسرائيل” غير المعلن. من السهل الحفاظ على الغموض عندما لا يمتلك أي خصم إقليمي ترسانة أسلحة معترف بها، لكن الأمر يختلف تماماً في منطقة يمتلك فيها خصم ترسانة أسلحة.

حتى في ظل ضغوط الحرب الأخيرة، من غير المرجح أن تتخلى الولايات المتحدة ولا الحكومة الإسرائيلية عن الصيغة القديمة بشكل كامل. ومن شبه المؤكد أن “إسرائيل” ستواصل قول ما دأبت على قوله: إنها لن تكون أول من يُدخل الأسلحة النووية إلى “الشرق الأوسط”.

لكن الغموض قد ينجح كعقيدة ولكنه يفشل كسياسة. تكمن قوته لا في إخفاء ما تملكه “إسرائيل”، بل في إبقاء هذا الشيء خارج نطاق اللغة السياسية المعتادة. بمجرد أن تتغير هذه اللغة، تبدأ الفوائد الاستراتيجية للغموض بالتلاشي، وسيزداد الطلب على الرقابة الأميركية، وسيزداد الطلب على الخطوط الحمراء الإسرائيلية، وسيصبح هذا الغموض حجة أقوى لإيران وغيرها من الدول التي ستحذو حذوها.

لا يكمن الخطر في اعتراف “إسرائيل”، بل في أن يبدأ الجميع بالتصرف وكأن الاعتراف قد تم بالفعل. قد يكون ما يحل محل الصمت القديم أكثر وضوحاً، أما مسألة استقراره فهي أمر آخر تماماً.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى