أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: واقع النزوح وقرار الامتحانات

لا شكّ أنّ قرار وزيرة التربية، ريما كرامي، بإلغاء امتحانات الشهادة المتوسطة واعتماد ثلاث دورات متتالية لامتحانات الثانوية العامة، هو محاولة للتوفيق بين ضرورات الحفاظ على هيبة الشهادات الرسمية وبين الظروف الاستثنائية التي يعيشها لبنان.
إلّا أنّ القرار، على الرغم من طابعه التنظيمي، يفتح باباً واسعاً من الاعتراضات والأسئلة، خصوصاً لدى العائلات والطلاب النازحين الذين وجدوا أنفسهم أمام تحديات تتجاوز القدرة على الدراسة أو التحضير الأكاديمي، لتصل إلى حدود القلق النفسي وفقدان الاستقرار اليومي.

فالواقع الذي يعيشه آلاف الطلاب اليوم لا يشبه أي ظرف تربوي طبيعي. كثيرون ابتعدوا قسراً عن منازلهم ومدارسهم وقراهم، وبعضهم يعيش في مناطق مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من الهدوء أو البيئة التعليمية المناسبة، وهناك طلاب فقدوا كتبهم ووسائلهم الدراسية، وآخرون يتنقلون بين أماكن الإيواء أو يقيمون لدى أقارب في ظروف ضاغطة، فيما يعاني قسم كبير منهم من آثار نفسية ناتجة عن الحرب والخوف وعدم اليقين.

وفي ظلّ هذا المشهد، يبدو الحديث عن امتحانات رسمية موحّدة وكأنّه يتجاهل التفاوت الكبير في الفرص والإمكانات بين الطلاب. فصحيح أنّ الوزارة حاولت تخفيف الضغوط عبر اعتماد ثلاث دورات متتالية ومنح الطالب حقّ التقدّم إلى دورتين، إلّا أنّ هذا الإجراء، بالنسبة إلى كثيرين، لا يعالج أصل المشكلة. فالمعضلة ليست فقط في عدد الفرص، بل في القدرة الفعلية على التحضير وخوض الامتحانات في ظروف مستقرة وعادلة. إذ كيف يمكن لطالب نازح، بعيد عن مدرسته وأساتذته وبيئته الطبيعية، أن ينافس طالباً يعيش في منطقة مستقرة نسبياً ويتمتع بظروف دراسية أفضل؟

من هنا، يُنتظر حصول نقاش حول فكرة إلغاء امتحانات البكالوريا لهذا العام، أسوةً بمحطات سابقة شهدها لبنان في ظروف أمنية أو صحية استثنائية. فالمطالبون بالإلغاء يعتبرون أنّ العدالة التربوية لا تتحقق فقط عبر إجراء الامتحانات، بل عبر ضمان تكافؤ الفرص بين جميع الطلاب، وهو أمر يبدو شبه مستحيل في ظلّ واقع الانقسام الجغرافي والنزوح والتفاوت الكبير في القدرة على الوصول إلى التعليم.

في المقابل، هناك من يخشى أن يؤدي إلغاء امتحانات الثانوية العامة إلى ضرب قيمة الشهادة الرسمية وإضعاف المستوى الأكاديمي، خصوصاً أنّ البكالوريا تشكّل محطة أساسية في حياة الطلاب التعليمية والجامعية. لكن هذا الرأي يصطدم بدوره بسؤال أكثر إلحاحاً: ما جدوى الحفاظ على الشكل التقليدي للامتحانات إذا كان آلاف الطلاب سيدخلونها مثقلين بالخوف والتعب وعدم الاستقرار؟

وبين الحفاظ على هيبة الشهادة ومراعاة الظروف الإنسانية، تقف وزارة التربية أمام واحد من أصعب الاختبارات. أمّا الطلاب، فهم اليوم لا يطلبون امتيازات استثنائية بقدر ما يبحثون عن حدّ أدنى من العدالة والطمأنينة في عام دراسي استثنائي بكل المقاييس.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى