أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: هل يُبصر العفو العام النور؟

يعود اقتراح قانون العفو العام إلى واجهة النقاش النيابي، لكن هذه العودة لا تبدو حتى الآن حاسمة بقدر ما هي انعكاس لتوازنات دقيقة بين ضرورات إنسانية وضوابط سياسية وأمنية صارمة.

وبينما تنشغل اللجان النيابية المشتركة في درس بنوده مادةً مادةً، يبقى السؤال الأساس: هل ينجح المجلس هذه المرة في إقراره قبل نهاية العام، أم يلتحق بسلسلة مشاريع سابقة سقطت عند أول اختبار سياسي؟

المعطيات الحالية تشير إلى أن النقاش دخل مرحلة جدية، حيث يتم العمل على إعادة صياغة الأسباب الموجبة وإدخال تعديلات جوهرية على بنود القانون، وسط توافق مبدئي على استثناء جرائم محددة من أي عفو محتمل، لا سيما الجرائم المرتبطة بالإرهاب والقتل والتعامل مع العدو. هذا التوجه يعكس محاولة واضحة لتفادي الصدام مع الرأي العام، الذي يُبدي حساسية عالية تجاه أي تساهل في ملفات تمس الأمن الوطني أو العدالة.

في المقابل، لا يمكن فصل هذا النقاش عن الضغوط الواقعية، وفي مقدمتها أزمة الاكتظاظ في السجون، حيث إن إقرار العفو قد يؤدي إلى إطلاق عدد كبير من الموقوفين، ما يخفف عبئًا كبيرًا عن النظام القضائي والسجني. كما أن بطء المحاكمات وتراكم الملفات القضائية يشكلان دافعًا إضافيًا لإقرار قانون استثنائي يعالج حالات عالقة منذ سنوات.

غير أن العقبة الأساسية تبقى سياسية بامتياز، فالتباينات بين الكتل النيابية لا تزال قائمة حول نطاق العفو وحدوده، خصوصًا فيما يتعلق بملفات حساسة مثل المخدرات، والمطلوبين، وبعض الجرائم ذات الطابع الأمني. ويُضاف إلى ذلك الخشية من «تفريغ» القانون من مضمونه عبر التعديلات، بحيث يصبح شكليًا أكثر منه فعليًا، وهو ما يهدد بفقدان الغاية الأساسية منه.

إلى جانب ذلك، تلعب الاعتبارات الشعبية دورًا مزدوجًا؛ فمن جهة، هناك ضغط من عائلات الموقوفين للمضي في إقرار القانون، ومن جهة أخرى، هناك تخوف لدى شريحة واسعة من أن يؤدي العفو إلى ضرب مبدأ المحاسبة، ما يضع النواب أمام معادلة دقيقة بين العدالة والإنصاف.

حتى الآن، يمكن القول إن «النية السياسية» لإقرار العفو موجودة، لكن هذه النية تصطدم بمحاذير متعددة تجعل المسار طويلًا ومعقدًا. فالقانون لن يمر إلا إذا نجحت القوى السياسية في إنتاج تسوية متوازنة تضمن الإفراج عن فئات محددة من دون المساس بالخطوط الحمراء الأمنية.

وبناءً على ذلك، يبدو أن فرص إقرار قانون العفو العام قبل نهاية العام تبقى قائمة، لكنها غير مضمونة. فالمسألة لا تتعلق فقط بنقاش قانوني داخل اللجان، بل بقرار سياسي جامع لم تتوافر شروطه بالكامل بعد. وعليه، قد يكون مصير هذا الاقتراح معلقًا مرة جديدة بين الحاجة الملحّة والفيتو السياسي، في انتظار لحظة توافق نادرة في الحياة اللبنانية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى