أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: لبنان وطن بطبقتين

في لبنان، لا تسير الحروب على إيقاع واحد، ولا يعيش اللبنانيون المأساة بالقدر نفسه أو بالشعور ذاته. ففي اللحظة التي يشتعل فيها الجنوب تحت القصف، وتغرق القرى الحدودية في الخوف والدمار والنزوح، تبدو العاصمة بيروت وكأنها تعيش في زمن مختلف: مطاعم مكتظة، مقاهٍ تعجّ بالرواد، سهرات صاخبة، وحركة ليلية تكاد توحي بأن البلاد تنعم باستقرار طبيعي لا تشوبه حرب ولا تهديدات.

هذا المشهد المتناقض لم يعد استثناءً في الحياة اللبنانية، بل تحوّل إلى صورة تعكس طبيعة بلد اعتاد العيش فوق خطوط النار، وتكيّف مع الأزمات إلى حدّ بات فيه الانقسام النفسي والاجتماعي جزءًا من يومياته. فلبنان، الذي عاش عقودًا من الحروب والاغتيالات والانهيارات الاقتصادية، بات يمتلك قدرة غريبة على الفصل بين المأساة والحياة اليومية، بين الموت في منطقة والاستمرار في منطقة أخرى، وكأن الوطن الواحد تحوّل إلى أكثر من واقع وأكثر من شعور.

في الجنوب، يعيش الناس تحت وطأة الخوف الدائم. القصف لا يهدد البيوت فقط، بل يهدد فكرة المستقبل نفسها. هناك عائلات فقدت مصادر رزقها، وطلاب تعطلت حياتهم التعليمية، ومزارعون تُركت أراضيهم على تماس مباشر مع الخطر. أما في بيروت ومناطق أخرى، فالحياة تستمر بإيقاع مختلف، مدفوعة برغبة جماعية في الهروب من القلق والانهيار النفسي، أو ربما بمحاولة عنيدة للتشبث بما تبقى من مظاهر الحياة الطبيعية.

لكن هذا التناقض لا يمكن اختزاله فقط بفكرة “اللامبالاة”، كما يصفه البعض، لأن جزءًا كبيرًا منه يرتبط بالتحولات العميقة التي أصابت المجتمع اللبناني خلال السنوات الأخيرة. فبعد الانهيار المالي، والانفجار، والأزمات السياسية المتلاحقة، فقد اللبنانيون تدريجيًا قدرتهم على التفاعل الموحد مع الأحداث الكبرى. أصبح كل فرد منشغلًا بإنقاذ نفسه وتأمين استمراره، فيما تراجعت فكرة المصير الوطني المشترك لصالح أولويات فردية ومعيشية ضاغطة.

كما أن الحرب نفسها لم تعد تُدار بالصورة التقليدية التي عرفها اللبنانيون سابقًا. فهي حرب محدودة جغرافيًا إلى حدّ بعيد، لكنها مفتوحة نفسيًا وإعلاميًا على كل البلاد. ولذلك ينشأ نوع من الانفصال بين من يعيش النار مباشرة ومن يتابعها عبر الشاشات. هذا الانفصال يخلق شعورًا مزدوجًا: تعاطفًا من جهة، وعجزًا أو اعتيادًا من جهة أخرى.

وفي العمق، يكشف المشهد اللبناني أزمة هوية وطنية أكثر مما يعكس مجرد تفاوت جغرافي. فحين يشعر جزء من اللبنانيين أن الحرب تخص منطقة معينة فقط، فيما يتعامل آخرون معها كخبر يومي عابر، يصبح السؤال أخطر من مجرد ازدحام مطعم أو امتلاء مقهى. يصبح السؤال متعلقًا بقدرة اللبنانيين على الإحساس بأنهم يعيشون المصير نفسه.

وربما تكمن مأساة لبنان الحقيقية هنا تحديدًا: بلد يتألم في مكان، ويحتفل في مكان آخر، فيما يقف الجميع فوق أرض واحدة تتسع لكل التناقضات، لكنها تضيق يومًا بعد يوم بفكرة الوطن الجامع.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى