افتتاحية اليوم: تثبيت الاستقرار وسط الرياح العاتية

حملت جولة قائد الجيش العماد رودولف هيكل على المسؤولين خلال هذا الأسبوع أبعاداً تتجاوز إطار البروتوكول. زيارته إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ثم لقاؤه سفراء اللجنة الخماسية، قبل أن يحطّ في عين التينة للقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري، عكست مشهداً سياسياً مكثفاً عنوانه: تثبيت الاستقرار وسط رياح إقليمية عاتية واستحقاقات داخلية ضاغطة.
اللقاء في بعبدا اكتسب دلالة خاصة، إذ جاء بين قائد الجيش ورئيس جمهورية آتٍ من المؤسسة العسكرية. هنا يتقاطع البعدان السياسي والأمني في قراءة موحّدة لمخاطر المرحلة. فالمؤسسة العسكرية، التي تشكّل العمود الفقري للاستقرار، تجد نفسها أمام تحديات مركّبة: جنوب متوتر على إيقاع المواجهة المفتوحة، حدود رخوة، وضغط اجتماعي واقتصادي ينعكس مباشرة على البيئة الحاضنة للعسكريين.
من هذا المنطلق، بدا التنسيق بين الرئاسة واليرزة رسالة طمأنة إلى الداخل بأن القرار الأمني محصَّن بغطاء سياسي جامع.
أما اللقاء مع سفراء الخماسية، على بُعد بضعة أيام من انعقاد مؤتمر دعم الجيش في الخامس من آذار في باريس، فقد حمل بُعداً دبلوماسياً لا يقل أهمية. في لحظة تتقاطع فيها المبادرات الدولية مع حسابات القوى المحلية، أراد قائد الجيش تثبيت صورة المؤسسة كشريك موثوق للمجتمع الدولي في حماية الاستقرار وتنفيذ الالتزامات. غير أن الرسالة الأهم كانت تأكيد استقلالية القرار العسكري، وأن أي دعم يُستثمر حصراً في خدمة الأمن الوطني، بعيداً من الاصطفافات.
أما زيارة عين التينة فقد أضافت بُعداً سياسياً داخلياً واضحاً. فرئيس المجلس يشكّل ركناً أساسياً في معادلة التوازنات، والتواصل معه يندرج في سياق تحصين شبكة الأمان الوطنية، في بلد تتشابك فيه الملفات من السلاح إلى الإصلاحات المالية، مروراً بالاستحقاقات المقبلة.
ثمة إدراك بأن المرحلة المقبلة قد تحمل تصعيداً إقليمياً أو اهتزازاً داخلياً، وأن تحصين خطوط التواصل بين الجيش والرئاسات والمرجعيات الدولية يخفف هامش المفاجآت. كما أن تحريك القنوات السياسية يوجّه رسالة ضمنية بأن الجيش حاضر لضبط الإيقاع، لا ليكون طرفاً في النزاع.
في ضوء ما تقدم، تؤكد جولة العماد هيكل أن المؤسسة العسكرية ما زالت تمسك بخيط التوازن في معادلة لبنانية شديدة التعقيد. بين الداخل والخارج، وبين السياسة والأمن، يسعى قائد الجيش إلى تثبيت معادلة واضحة: الاستقرار أولاً، وحماية الدولة فوق كل اعتبار.




