أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: الوحدة الوطنية سلاح مؤثر

حين تتعرّض الدول للحروب والضغوط الخارجية، تتعدّد عناصر القوة التي تستند إليها في مواجهة التحديات. فهناك القوة العسكرية، والقدرة الاقتصادية، والدعم الدبلوماسي، والتحالفات الدولية، إلا أن التجارب التاريخية أثبتت أن العامل الأكثر حسماً يبقى، في كثير من الأحيان، وحدة الجبهة الداخلية، لأنها تشكل الأساس الذي تُبنى عليه كل عناصر الصمود الأخرى.

وفي الحالة اللبنانية الراهنة، تبدو وحدة الموقف الداخلي الورقة الأقوى التي يمتلكها لبنان في مواجهة الحرب الإسرائيلية المستمرة، وما يرافقها من محاولات لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة.

فإسرائيل تدرك جيداً أن الانقسامات الداخلية تشكل نقطة ضعف يمكن استثمارها لتحقيق أهداف لا تستطيع القوة العسكرية وحدها بلوغها، لذلك لطالما راهنت، في مختلف مراحل الصراع، على تعميق التباينات اللبنانية وإبراز التناقضات السياسية والطائفية، باعتبار أن المجتمع المنقسم يصبح أقل قدرة على اتخاذ قرارات موحدة، وأكثر عرضة للضغوط الخارجية. وفي المقابل، كلما ظهر اللبنانيون بموقف موحد تجاه القضايا المصيرية، تراجعت فرص نجاح هذه الرهانات.

اليوم، لا تقتصر المواجهة على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد إلى المجال السياسي والتفاوضي أيضاً. فلبنان يخوض معركة تثبيت حقوقه وسيادته في ظل ظروف إقليمية معقدة، وتحولات كبيرة تشهدها المنطقة. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح التماسك الداخلي عاملاً حاسماً في تعزيز الموقف التفاوضي اللبناني، إذ إن أي وفد أو قيادة سياسية لا تستطيع الدفاع عن مصالح البلاد بفعالية إذا كانت منقسمة في الداخل أو تفتقر إلى غطاء وطني جامع.

كما أن الوحدة الداخلية تمنح المؤسسات الرسمية قوة إضافية في مواجهة الضغوط الدولية والإقليمية. فحين تتلاقى المواقف حول الثوابت الوطنية الأساسية، يصبح من الصعب على الأطراف الخارجية ممارسة سياسة الابتزاز السياسي أو فرض شروط تتعارض مع المصالح اللبنانية. أما عندما تتغلب الحسابات الفئوية الضيقة على المصلحة الوطنية، فإن قدرة لبنان على المناورة والدفاع عن حقوقه تتراجع بشكل ملحوظ.

وهنا لا يقتصر تأثير الوحدة الوطنية على الجانب السياسي فقط، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي والنفسي. فالحروب لا تستهدف الأرض والبنية التحتية فحسب، بل تسعى أيضاً إلى ضرب معنويات المجتمعات وإشاعة القلق والخوف والانقسام بين أبنائها. ومن هنا، فإن التضامن الوطني يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات زعزعة الاستقرار الداخلي وإضعاف الإرادة الجماعية.

صحيح أن لبنان يواجه تحديات هائلة تتعلق بالأوضاع الناجمة عن الحرب الإسرائيلية المستمرة، إلا أن قدرته على تجاوز هذه المرحلة تبقى مرتبطة إلى حد كبير بمدى نجاح القوى السياسية في تغليب القواسم المشتركة على الخلافات. فالتباينات السياسية أمر طبيعي في أي نظام ديمقراطي، لكن الحفاظ على وحدة الموقف في القضايا السيادية والوطنية الكبرى يبقى شرطاً أساسياً لحماية البلاد.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى