رأي

إيران تقلب الطاولة على أميركا: كفى تورّطاً مع إسرائيل!

لقمان عبد الله – الأخبار:

مع تصاعد الخروقات الإسرائيلية وتهديد الضاحية الجنوبية، انتقلت طهران إلى مقاربة أكثر تشدداً تربط أمن بيروت بمعادلات الردع الإقليمية، في مسعى لتثبيت قواعد اشتباك جديدة وحماية مسار التفاهمات السياسية.

أثارت الخروقات الإسرائيلية المتكرّرة لوقف إطلاق النار في لبنان، ومن ثمّ تهديد العدو الضاحية الجنوبية لبيروت بالقصف، تساؤلات واسعة حول الدور الإيراني وحدود قدرته على حماية التفاهمات التي جرى التوصّل إليها عبر القنوات الدبلوماسية، بخصوص الساحة اللبنانية تحديداً. ومع تزايد وتيرة تلك الانتهاكات، بدا أن طهران خلصت إلى أن المسار الدبلوماسي وحده لم يعُد كافياً لضمان احترام الالتزامات أو منع تغيير قواعد الاشتباك بالقوة. وفي ضوء ذلك، اتّجهت القيادة الإيرانية إلى اعتماد مقاربة أكثر حزماً، تقوم على الربط المباشر بين أيّ استهداف للضاحية وبين ردّ يطاول منطقة شمال فلسطين المحتلة، وذلك في محاولة لتثبيت معادلة ردع تحول دون تمكين تل أبيب من فرض وقائع ميدانية جديدة أو تعديل موازين القوة القائمة.

في ما وراء تلك المقاربة الجديدة، يبدو أن إيران لا تسعى إلى منافسة الولايات المتحدة في حجم القوة العسكرية المباشرة فحسب، ولا إلى تحقيق توازن تقليدي معها، بل تتطلّع إلى تقليص المفعول السياسي لفائض القوة الذي تمتلكه واشنطن. ومن هنا، لا تقتصر استراتيجية طهران على تحسين شروط التفاوض أو كسب الوقت، بل تقوم على هدف أعمق يتمثّل في نقل المواجهة من ساحة التفوّق العسكري والاقتصادي الأميركي المطلق، إلى أخرى مختلفة، يكون الفيصل فيها القدرة على التحمّل وإدارة الكلفة والوقت.
وعلى هذا الأساس، لم تنتظر إيران وصول التهديدات إلى الضاحية الجنوبية لكي تستخدم أوراق الضغط الإقليمية، خصوصاً أن ورقة مضيق هرمز، التي كانت حاضرة منذ المراحل الأولى للأزمة، لم يعُد تأثيرها كافياً على ما يبدو لإحداث تحوّل جوهري في حسابات الولايات المتحدة. إذ ظهر أن الإدارة الأميركية كانت لا تزال تعتقد أن الضغوط العسكرية والاقتصادية المتراكمة، إلى جانب تشديد الحصار على إيران وحلفائها، قد يدفع الأخيرة في نهاية المطاف إلى التراجع والقبول بشروط أقلّ ممّا كانت تطالب به. بتعبير آخر، نظرت واشنطن إلى عامل الوقت باعتباره لمصلحتها لا لمصلحة طهران، التي افترضت أنه ستتآكل، والحال هذه، قدرتها على الصمود والمناورة. كما إن إسرائيل راهنت، بدورها، على أن استمرار العمليات العسكرية ورفع مستوى الضغط الميداني قد يتيحان لها فرض وقائع جديدة، قبل الوصول إلى تسوية سياسية تمنحها مكاسب استراتيجية، وفي مقدمها الدفع في اتجاه نزع سلاح «حزب الله» أو إضعاف دوره العسكري والأمني.

من شأن معادلة الضاحية أن تؤسس لمسار تفاوضي أكثر شمولاً يفضي إلى بلورة تفاهمات أوسع

غير أن واقع الميدان ومسار المفاوضات، أفضيا تدريجياً إلى إعادة تقييم لتلك الحسابات. فبدلاً من أن يتحوّل الوقت إلى أداة استنزاف لإيران، بدأت كلفة استمرار الأزمة ترتفع بالنسبة إلى مختلف الأطراف، ولا سيما مع تنامي المخاوف المرتبطة بأمن الطاقة والملاحة الإقليمية واحتمالات اتّساع رقعة المواجهة. وفي خضمّ تلك التداعيات، وما استتبعته من اشتداد حاجة الولايات المتحدة إلى إنجاز اتفاق إطار يحول دون الانزلاق إلى صراع أوسع، اكتسبت الأوراق الإيرانية وزناً أكبر ممّا كانت عليه في بداية الأزمة. ومن هنا، فإن الأداة التي لم تنجح في البداية في تعديل الحسابات الأميركية والإسرائيلية بشكل جذري، أصبحت أكثر تأثيراً عندما تبدّلت موازين الكلفة والجدوى، وحينما بدأت واشنطن تدرك أن استمرار الضغط لا يقرّبها من أهدافها بالضرورة، بل قد يدفع المنطقة نحو مسارات أكثر تعقيداً وأعلى كلفة.
وفي هذا الإطار، يبدو أن أحد أبرز الإنجازات التي سعت طهران إلى تحقيقها، تمثّل في تحييد الدور الأميركي المباشر، ومنع انخراط واشنطن في تغطية أيّ مسار تصعيدي إسرائيلي. فعبر الجمع بين الضغوط الميدانية والرسائل السياسية وأوراق القوة الإقليمية، عملت إيران على ترسيخ قناعة لدى صانع القرار الأميركي، بأن التدخّل المباشر إلى جانب إسرائيل لن يؤدي إلى حسم الصراع أو تحسين شروط التفاوض، بل قد يفضي إلى توسيع نطاق المواجهة ورفع كلفتها على الولايات المتحدة نفسها، وأن مصلحة الأخيرة تكمن في احتواء التصعيد الإسرائيلي والحفاظ على المسار التفاوضي، لا الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.

وعلى هذا الأساس، أطلقت طهران تحركاً سياسياً ودبلوماسياً واسعاً على أعلى المستويات، تولّى وزير خارجيتها، عباس عراقجي، قيادته عبر شبكة من الاتصالات الإقليمية والدولية الهادفة إلى احتواء التصعيد ومنع انهيار المسار التفاوضي.
ومن شأن هذه المعادلة، إذا ما نجحت في فرض نفسها وترسّخت كجزء من قواعد الاشتباك القائمة، أن تؤسّس لمسار سياسي تفاوضي أكثر شمولاً، يفضي تدريجياً إلى بلورة تفاهمات أوسع حول وقف إطلاق نار شامل وترتيبات للانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني. وهذا تحديداً ما ترفضه إسرائيل، وتعمل بجهدها لإفشاله، وإن كانت جهودها غير مثمرة إلى الآن.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى