
حسين إبراهيم – الأخبار:
يكشف تعثّر التفاهم الأميركي – الإيراني عن حجم تأثير الحسابات الإسرائيلية والانقسامات داخل إدارة ترامب، فيما تتواصل المراوحة بين الحرب والتسوية وسط تغيّرات إقليمية لم تتبلور نتائجها بعد.
قبل أيام قليلة، قال مايك إيفانز، أحد القادة الإنجيليين الصهاينة في أميركا، وحليف رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، منذ سنوات طويلة، إنه واثق من أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لن يدفع أموالاً للإيرانيين. ولم يتأخّر توقّع إيفانز هذا في التحقّق؛ فبعدما أوشك ترامب على إعلان التوصّل إلى مذكّرة تفاهم مع إيران، عاد وأنهى اجتماعاً لفريقه للأمن القومي، كان مُخصَّصاً لاتخاذ قرار في شأن المضيّ في توقيع المذكّرة، من دون إصدار أيّ قرار، لأنه لا يريد دفع 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدّة فوراً، بموجب مشروع المذكرة. تبرير ترامب لذلك، كان أنه بحاجة إلى مزيد من الوقت، لكن إذا كانت كلّ المعطيات متوفّرة بصورة مُسبقة لديه، فالتعطيل جاء – على ما يبدو – من خارج غرفة العمليات في البيت الأبيض، حيث عُقد الاجتماع. ومعروف أن إسرائيل، شريكته في الحرب، ومسبّبتها، ليست راضية نهائياً عمّا كان ترامب يوشك على توقيعه، بل وتعتبره كارثة ووبالاً عليها، وهو فعلاً كما تصفه به. ولذا، لا يبدو أن ترامب سيوقّع المذكّرة بصيغتها الحالية، مع أن كلّ نقطة فيها ثُبّتت بمفاوضات مُطوّلة بمشاركة الوسطاء، وتمّت صياغتها بعناية بالغة حتى تكون مقبولة من الطرفين.
وكان كثُر الكلام أخيراً عن علاقة ذات طابع خاص بين ترامب ونتنياهو، يتولّى تنسيقها صهر الأول، جاريد كوشنر، في حين صار واضحاً كذلك، أن الإدارة الأميركية نفسها منقسمة بشدّة حول قضية إيران. ويبدو أن ثمّة محاولة الآن لتهميش نائب الرئيس، جي دي فانس، الذي أُرسل إلى باكستان للتفاوض مع الإيرانيين – بسبب تفضيل الأخيرين التحادث معه -، وتصدير وزير الخارجية، ماركو روبيو، الذي يتولّى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي بالوكالة. وبلغت هذه المحاولات حدّ حديث إيفانز، في مقابلة مع «يديعوت أحرونوت»، عن بطاقة روبيو – إيفانكا ترامب لانتخابات الرئاسة المقبلة عام 2028، مع أن الطبيعي أن يكون رأس البطاقة هو فانس. ومن شأن مثل تلك التعليقات أن تغري ترامب بأن يصبح رأس سلالة رئاسية، وليس رئيساً لولايتَين فحسب، ويضمن أن يطول تأثيره الكبير الذي غيّر كثيراً في الآداب السياسية في الولايات المتحدة، وربّما أن يتحوّل إلى مؤسّس ثانٍ للولايات المتحدة بوزن يماثل جورج واشنطن وأبراهام لينكولن، وألّا تضْحي أميركا دولة يطغى عليها المهاجرون من العالم الثالث، كما هي حال معظم دول أوروبا الكبرى. حتى إن تقارير صحافية أفادت بأن ترامب يخطّط لاستحداث ورقة نقدية من فئة 250 دولاراً، ووضع صورته عليها، مع أنه لم يسبق وضع صورة رئيس حيّ على ورقة عملة في أميركا.
الوضع سيبقى، على الأرجح، في حال مُراوحة، مع تحمّل الآثار الاقتصادية لاستمرار إغلاق مضيق هرمز
لكن ذلك لا يعني أن ترامب سيعود إلى الحرب النشطة مع إيران، بل إن الوضع سيبقى، على الأرجح، في حال مُراوحة، مع تحمّل الآثار الاقتصادية لاستمرار إغلاق مضيق هرمز. وفي الانتظار، تستمرّ إسرائيل في تصفية حسابها في لبنان، ريثما تتمكّن – وفق ما تطمح إليه – من فرض واقع فيه يضغط على إيران نفسها – عبر التدمير والقتل والتهجير -، بدل أن يكون الواقع ضاغطاً على إسرائيل، وبالتالي على ترامب. ولعلّ الامتناع عن اتّخاذ قرار بشأن المضيّ قُدُماً في الاتفاق مع طهران، مؤشّر إلى أن أحد الشروط اللازمة للتوقيع أميركياً هو أن لا تخرج إسرائيل مهزومة من كلّ حروبها منذ 7 أكتوبر، وهو ما يفيد به ميزان القوى الحالي، حيث لم تستطع تل أبيب أن تحقّق سوى القتل والتدمير والتمدّد في مساحات من الأراضي في غزة ولبنان وسوريا، من دون أن تتمكّن من ترجمة هذه النتيجة سياسياً، ولا سيما على مستوى نزع السلاح من كلّ القوى المعادية لها، وإقامة مناطق عازلة تحقّق استقراراً على جبهتها الداخلية.
لكنّ تغيير هذا الواقع الذي فشل خلال ثلاث سنوات من الحروب، بما فيها الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، ليس بالمهمّة اليسيرة. وعليه، سيظلّ ترامب أسير المازق نفسه، بين استحالة تحقيق الأهداف بالقوة العسكرية، وصعوبة التسليم بالفشل، وهو ما يجعله يفضّل البقاء في حال المُراوحة على الذهاب نحو أحد الخيارَين المذكورَين. ولذا، فإن الحرب ستطول إلى أن يتغيّر شيء في أميركا؛ والمحطّة الأولى المحتملة للتغيير ستكون الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل، ولا سيما إذا أفرزت «كونغرس» تحت سيطرة ديمقراطية، إذ ستزيد هذه النتيجة صعوبة الاستمرار في الحرب. كما ستتزامن تلك الانتخابات مع أخرى إسرائيلية يمكن أن تنشئ وضعاً سياسياً مغايراً في إسرائيل. وحينها فقط، يمكن بدء الحديث عن تسويات محتملة تفضي إلى نتيجة تترجم الواقع كما هو. وفي المقابل، أمام إيران مجموعة من الخيارات والتحدّيات؛ فإمّا أن تستمرّ في تحمّل نتائج الحصار الأميركي، واستهداف حلفائها، ولا سيما في لبنان، وتنتظر تغيّراً على الجبهة المقابلة، وإمّا أن تبادر إلى تسليط مزيد من الضغوط على الجبهة المقابلة، وهي لديها الكثير من الخيارات لتفعل لذلك.



