افتتاحية اليوم: المسدس على طاولة التفاوض

تتجاوز المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل، والتي ستستأنف يوم غدٍ الثلاثاء في واشنطن، حدود البحث في ترتيبات أمنية أو تفاهمات ميدانية مؤقتة، لتتحول إلى مواجهة سياسية مفتوحة حول طبيعة المرحلة المقبلة في الجنوب اللبناني وشكل التوازنات التي ستتحكم بها.
وبينما يصرّ لبنان على أن الأولوية المطلقة تكمن في تثبيت وقف إطلاق نار جاد ومستدام يضع حدّاً للاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، تبدو إسرائيل أكثر اهتماماً بملف نزع سلاح “حزب الله”، معتبرةً أنه المدخل الأساسي لأي تسوية مستقبلية.
هذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف في الأولويات، بل يكشف عن فجوة عميقة في مقاربة الطرفين لمسار التفاوض. فلبنان ينطلق من واقع ميداني يفرض وقف العمليات العسكرية أولاً، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة الاستقرار إلى المناطق الحدودية وإعادة إعمار ما دمرته الحرب. أما إسرائيل فتتعامل مع المفاوضات باعتبارها فرصة لتحقيق أهداف سياسية وأمنية عجزت عن فرضها بالكامل عبر العمل العسكري المباشر.
وفي هذا السياق، يشعر الجانب اللبناني بأن المفاوضات لا تُدار في أجواء متكافئة، بل تحت ضغط مستمر تمارسه إسرائيل من خلال الغارات الجوية والتهديدات العسكرية المتواصلة. فكلما اقتربت طاولة الحوار من البحث في ترتيبات ميدانية أو تفاهمات أمنية، عادت العمليات العسكرية لتذكير اللبنانيين بأن ميزان القوة لا يزال حاضراً بقوة في خلفية المشهد. ومن هنا يبرز الانطباع بأن إسرائيل تتعامل مع الوفد اللبناني المفاوض وكأنها تضع “المسدس على رأسه”، محاولةً انتزاع تنازلات سياسية وأمنية تحت وطأة الضغط العسكري.
لكن هذا الأسلوب لا يبدو كفيلاً بإنتاج تسوية مستقرة، فالتجارب السابقة أثبتت أن الاتفاقات التي تُبنى على الإكراه غالباً ما تفتقر إلى عناصر الاستدامة. كما أن أي محاولة لفرض شروط تتجاوز قدرة الدولة اللبنانية على استيعابها أو تنفيذها قد تؤدي إلى تعقيد المشهد أكثر بدلاً من حله.
في المقابل، يدرك لبنان أن التمسك بوقف إطلاق النار ليس مجرد مطلب تكتيكي، بل ضرورة وطنية لحماية ما تبقى من استقرار داخلي، ومنع انزلاق البلاد نحو مواجهة أوسع. فاستمرار الحرب يفاقم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية، ويزيد من حجم الدمار والنزوح، في وقت تعاني فيه الدولة أصلاً من أزمات متراكمة.
ومع اقتراب المنطقة من استحقاقات سياسية وأمنية كبرى، تبدو المفاوضات الحالية جزءاً من صراع أوسع يتجاوز الحدود اللبنانية. لذلك، فإن نجاحها لا يرتبط فقط بقدرة الوسطاء على تقريب وجهات النظر، بل أيضاً بمدى استعداد الأطراف المعنية للانتقال من منطق فرض الشروط إلى منطق التسويات المتوازنة.
حتى الآن، لا تزال الهوة واسعة بين مطلب لبنان بوقف نار حقيقي وشامل، وبين إصرار إسرائيل على ربط أي تهدئة بملفات سياسية وأمنية معقدة. وبين هذين الموقفين، تبقى المفاوضات معلقة على خيط دقيق، فيما يواصل الجنوب اللبناني دفع ثمن المواجهة المفتوحة بانتظار لحظة تفرض فيها السياسة ما عجزت الحرب عن فرضه.




