أميركا: الحليف الهشّ… والبديل

د. محمد المقاطع – الجريدة:
منذ يناير 2025 استيقظ الأوروبيون من سباتهم العميق القائم والمعتمد على حلفهم مع أميركا. ومنذ أن فاز ترامب في دورته الرئاسية الثانية، وهو يعلن جهاراً نهاراً وفي كل المحافل أن “الناتو” حلف استغلّ أميركا استغلالاً سيئاً، وأنه آن الأوان للخروج منه، وأن “الناتو” ليس سوى نمر من ورق، وأنه آن لأوروبا أن تعتمد على نفسها. وقد كانت تصريحاته وتصرّفاته مؤلمة لأوروبا بإعلانه المتكرر التخلي عنها في حرب أوكرانيا، وكذلك مطالبته بالحصول على “غرينلاند”، وقوله قبل وأثناء وبعد الحرب مع إيران أن أوروبا خيّبت آماله، وأن حليفه الوحيد هو “الكيان الصهيوني” المغتصب لفلسطين. وقد أظهر ترامب في كل تصريحاته عن أوروبا هشاشة حلفه مع أوروبا وتصريحاته وتصرّفاته المتسارعة، التي تهدف جميعاً إلى التخلي عن أوروبا وتركها وحدها، بل عاقبها بسحب بعض القوات الأميركية منها، كما في قراره سحب 5000 جندي من ألمانيا! هذه أوروبا أيها السادة، الحليف الذي خاض مع أميركا حربين عالميتين، وهي التي صنعت أميركا في الأساس ومع ذلك يتخلّى عنها بهذه البساطة، ومن دون أي أساس منطقي سوى نظرة شخصية ومزاج متقلّب ليس له قرار ولا استقرار، فكيف بالله تظنون أن يكون موقفه معنا نحن الدول العربية والإسلامية؟ بالتأكيد هو وضع أكثر هشاشة، وتحالف خاوٍ من كل عزم ورغبة في الدفاع عن دولنا! وقد كشفت الحرب الأميركية – الإيرانية هشاشة هذا الحلف مع دولنا، فقد كانت عقيدة أميركا الدفاعية والقتالية، ولا تزال، هي حماية أصولها وقواعدها وجيشها ومواطنيها! ولم تكن الدول العربية والإسلامية تمثّل همًّا لأميركا كي تحميها! ولولا الاستعداد الفائق والحيطة والحذَر والحكمة في التعامل مع الحرب الأميركية – الإيرانية من قبل قياداتنا الخليجية لكان تدمير دولنا من قِبَل إيران سهلاً! فأميركا لم تسعَ إلى حماية دولنا، وهو ما دفع دولنا إلى الاعتماد على ذاتها والبحث عن منظومات جديدة للتحالف، تشمل باكستان وتركيا ومصر وبريطانيا إلى جوار منظومة مجلس التعاون الخليجي، وقد سارعت كل من السعودية وقطر والكويت إلى إعادة ترسيم تحالفاتها الإقليمية والدولية على أساس قواسم المصلحة المشتركة، وتأمين الحماية لدولها وشعوبها وثرواتها واقتصادها، وهو تصرُّف حكيم وحصيف في ظل تداعيات الحرب الأميركية – الإيرانية، وما كشفته من تداعيات ونتائج، وربما يضع ذلك على دولنا مسؤولية مضاعفة لتحقيق أمنها وأمانها وتعزيز تحالفاتها الصحيحة، فليس من الخطأ، بل المطلوب الانفتاح على تحالفات جديدة تمتد إلى أوروبا بأكملها، بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا وغيرها، وأيضاً مد جسور مثل هذا التحالف لكل من روسيا والصين! ففي ظل هشاشة التحالف مع أميركا وتخلّيها عن حماية دول الخليج والاكتفاء بحماية أصولها وقواعدها، فإن هذا جرس إنذار مبكّر لنا للاستيقاظ قبل فوات الأوان، ورؤية الحقيقة كاملة جليّة بلا رتوش أو غموض أو تمويه. فكما بدأت أوروبا بالاعتماد على نفسها، فقد آن الأوان للدول العربية أن تعتمد على نفسها، وأن يكون تحالف السعودية وباكستان وتركيا ومصر منطلقاً لرسم إطار وسياسات تحالفاتنا الآنية والمستقبلية! ولعل التصريح الأخير للرئيس ترامب في تغريدته قبل يومين، الذي يضع فيه دولنا أمام إلزامية الدخول في الاتفاقيات الإبراهيمية شرطاً للحماية والوقاية من تداعيات الحرب، يُعدّ نموذجاً واضحاً للمزاج المتقلب لترامب الواقع تحت السيطرة الكاملة “للكيان الصهيوني”، الذي يملك أوراقاً وملفات عديدة أظهرت ترامب في العديد من الأحوال مرتبكاً متردداً غير قادر على المُضي بأي قرار إذا لم يحصل على موافقة الكيان الصهيوني! فلا بارك الله في تحالف هشّ كُلفته وتداعياته وآثاره علينا كدول وشعوب أكبر من فائدته ودفعه للضرر عنّا، بل يسعى لتكريس ضرر أكبر وفرض واقع جديد للشرق الأوسط مرفوض عقائدياً وقومياً وحضارياً، فالكيان الصهيوني اللقيط هو الذي عليه الخروج من محيط هو لقيط فيه أو مغتصب! ولندرك أن إيران كيان غريب في محيطنا، ولذلك تسعى إلى ترتيب أوراقها مع أميركا والكيان الصهيوني، مادام ذلك يؤمّن لها هيمنة توسعية في المنطقة، وهو ما مارسته فعلاً طوال 47 عاماً مضت.




