رأي

أرضية للالتقاء بين مصر والمغرب

محمد ماموني العلوي – العرب:

المغرب يقدم خبرته في تحلية المياه والطاقة المتجددة والأسمدة، بينما توفر مصر الأرض والسوق والخليج التمويل لتشكيل معادلة ثلاثية ذكية تعزز الاستقرار الإقليمي.

“إما كل شيء أو لا شيء على الإطلاق” هذه المعادلة لم تعد تجدي مع المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة العربية والعالم، ولم تعد مقبولة أمام مصر بشكل خاص في علاقاتها مع الجيران. مع الأزمات الاقتصادية الضاغطة بشدة، تضخم متصاعد، وضغوط هائلة على العملة المحلية، زادت أزمة الطاقة التي تسببت في إغلاق محلات تجارية ليلاً لترشيد الاستهلاك رغم الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والسمعة. ومع الشروط الاقتصادية والسياسية التي وضعها الأشقاء الخليجيون، تجد مصر الدولة المحورية في الشرق الأوسط نفسها في وضع خانق بكل المقاييس.

في هذا المشهد، تنظر القاهرة غرباً نحو المملكة المغربية التي أرسلت وفداً وزارياً برئاسة عزيز أخنوش رئيس الحكومة، ومعه سبعة وزراء من العيار الثقيل. وما يبدو لقاء بروتوكولياً روتينياً للجنة التنسيق والمتابعة المصرية المغربية، هو في العمق عملية جراحية جيوسياسية للإجابة عن سؤال: كيف يمكن تحويل الأزمات الاقتصادية إلى فرص استراتيجية تعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة بدفاتر تحملات والتزامات جديدة؟ ما نراه هو استنفار على أعلى المستويات بعد عقد من الزمن على انعقاد هذه اللجنة.

من 2016 إلى 2026، مرت مياه كثيرة تحت جسر العلاقات الثنائية المغربية المصرية، ليلتقي الطرفان بالقاهرة عبر سبعة وزراء يمثلون العصب الأقوى للدولة المغربية: الخارجية، الاقتصاد، الصناعة، الفلاحة، والاستثمار، والهدف توقيع 16 اتفاقية. المغاربة لم يعد يستهويهم العمل عبر لجان بيروقراطية تنتهي بصفر نتائج، فليس هناك هذا الترف من الوقت والجهد. جاءوا من الرباط وهم يعرفون التحدي: الانتقال من دبلوماسية الصور إلى سلطة الفعل والتنفيذ.

لقاء القاهرة ليس بروتوكولياً بل محاولة براغماتية لبناء محور صلب بين الرباط والقاهرة يحول الأزمات الاقتصادية إلى فرص استراتيجية ويعيد رسم خريطة التحالفات

وجود وزراء الاقتصاد يعني أننا انتقلنا لوضع جداول زمنية مضبوطة وقابلة للتنفيذ. المحرك الأساسي هنا هو المفارقة الإستراتيجية بين وضع البلدين: اقتصاد يعاني وآخر في طريق الصعود. دبلوماسية مصر على المحك في جوارها كما حدث في السودان، حيث لم ينهِ السلام عبر القوة العسكرية الأزمة أو يعطلها، بينما يقدم المغرب نفسه نموذجاً للمرونة الاقتصادية، بفضل تكنولوجيا الطاقات المتجددة، موانئ عالمية، واستقرار سياسي. والمثير أن الأزمات قد تكون أفضل وقت لإعادة ترتيب الأوراق وضبط السيولة في المواقف.

إذا كانت مصر تمر بأزمة مالية خانقة، فلماذا تلجأ إلى إحياء لجنة مشتركة مجمّدة لعشر سنوات؟ العادة أن تلجأ لحلفائها الماليين في الخليج. المغرب لا يمتلك المليارات لضخها نقداً في بنوك مصر، وهنا نستأنس بتقرير “جيرمان مارشال فاند” الذي أكد نهاية عصر الهبات الذهبية. دول الخليج العربي غيّرت استراتيجياتها تماماً، ولم تعد تمنح شيكاً على بياض، بل تطلب حصصاً وإصلاحات هيكلية، وتقليص دور الجيش في الاقتصاد، وتعويم العملة لحماية استثماراتها.

لكن هل ترى القاهرة في المغرب بديلاً وهو لا يملك السيولة لإنقاذ اقتصاد بحجم مصر التي تقدم سوقاً ضخماً بـ110 ملايين نسمة؟ الواقع أن المغرب ليس دوره ضخ الأموال، بل العمل كوسيط استثماري أو ضامن تشغيلي. دول الخليج قد ترحب بهذا التقارب إذا كان الرباط هو من سيدير المشاريع الاستثمارية، لثقتها في الخبرة المغربية وتجنب البيروقراطية. الخليج يمول، مصر تقدم الأرض، والمغرب يقدم الإدارة والخبرة. هذه معادلة ثلاثية ذكية عمودها الفقري الأمن المائي: مصر لديها أزمة مياه، والمغرب يمتلك خبرة متقدمة في تحلية المياه. العمود الثاني الطاقة المتجددة، خصوصاً الهيدروجين الأخضر، ثم السيادة الغذائية، حيث الأسمدة المغربية ضرورة قصوى للزراعة المصرية. وقد يشمل التعاون مينائي طنجة وبورسعيد على مستوى اللوجستيك.

لقاء القاهرة بين رئيسي حكومة البلدين ليس مجرد فرصة لترميم العلاقات، بل هو محاولة براغماتية لبناء طريق سيار بين القاهرة والرباط

نحن نتحدث عن التكامل في سلاسل القيمة المشتركة: الأسمدة والخبرة المغربية مقابل التسهيلات اللوجستية المصرية التي تفتح أبواب شرق إفريقيا أو منطقة الكوميسا. هذا التقارب يسد الباب أمام أي نفوذ إيراني في شمال وغرب إفريقيا. بمعنى أننا أمام جبهة اعتدال قوية تتفاوض بصوت واحد بخصوص ملفات حساسة كالطاقة والهجرة. دون أن ننسى أن المغرب مفاوض شرس، ولابد أن هناك شرطاً خفياً، وهو النظارة التي يرى من خلالها مستوى وجودة علاقاته. ووفق مؤسسة كارنيغي، المغرب يشترط أن ينتقل الموقف المصري من المساندة الصامتة في قضية الصحراء المغربية إلى أفعال واضحة: استثمارات في الأقاليم الجنوبية وفتح قنصلية بإحدى المدن الكبرى هناك.

كما أن الأزمات الخانقة للملاحة جعلت المغرب ومنفذه الأطلسي ممراً إجبارياً لمصر في المجال التجاري، ما يعني حاجة متبادلة وملحة. لكن هذا لا يمنع النظر إلى وضع مصر الحالي، فهي مشغولة بإخماد حرائق التضخم والديون والطاقة، وهي مستعجلة، بينما المغرب في وضعية المهندس الذي يبني بهدوء صعوده الاقتصادي لما بعد 2030. وهذا قد يخلق توتراً في التنفيذ.

التحدي هو: هل ستقبل النخبة الاقتصادية والعسكرية المصرية تطبيق النموذج المغربي في الإدارة دون الشعور بفقدان السيطرة، حتى وإن كان هناك تعاون؟ وحتى إذا تحجج الجانب المصري بأن هناك انتخابات مغربية مقبلة قد تنهي الاتفاقيات بوصول حكومة جديدة، فإن هذا خيار غير وارد لأن المشاريع الإستراتيجية بالمغرب محكومة باستمرارية الدولة. الالتزام موجود. بالتالي، إما أن يبني الطرفان محوراً صلباً لتحويل الأزمة إلى فرصة، أو العودة إلى وضعية سابقة لن يخسر فيها المغرب الكثير.

لقاء القاهرة بين رئيسي حكومة البلدين ليس مجرد فرصة لترميم العلاقات، بل هو محاولة براغماتية لبناء طريق سيار بين القاهرة والرباط. عبر اتفاقيات عابرة للحكومات وتنسيق أمني وسياسي واقتصادي، حيث يبيع المغرب صفقة نجاح لمصر مقابل الوضوح السياسي، ويبرز كشريك تقني لا يمنح الهبات بل دفتر تحملات سيادي. كما يبني استراتيجية لعقد قادم فوق رمال مصرية تريد أن تكون ثابتة أمام تغيرات جوهرية في نظام إقليمي وعالمي يشوبه عدم اليقين.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى