واشنطن تراهن على الجيش الليبي

صلاح الهوني – العرب:
الاختبار الحقيقي لقدرة واشنطن يكمن في تحويل الدعم إلى استقرار سياسي، فالاتفاق بين النخب دون مشاركة شعبية، يكرس تقاسم السلطة بين الأقطاب.
شكل استقبال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لنائب قائد الجيش الوطني الليبي صدام حفتر في واشنطن، ولقاء الأخير بمسؤولين كبار في مجلس الأمن القومي، لحظة مفصلية في السياسة الأميركية تجاه ليبيا. فهذا اللقاء، الذي تزامن مع وجود مسؤولين من حكومة الوحدة الوطنية في العاصمة الأميركية، لم يكن مجرد استقبال دبلوماسي بروتوكولي، بل إعلانا صريحا عن انتقال واشنطن من مرحلة إدارة الأزمة الليبية بالوسائل الدبلوماسية التقليدية إلى مرحلة هندسة الاستقرار عبر المؤسسة العسكرية. فبعد سنوات من التركيز على الحلول السياسية غير الحاسمة، أصبح الجيش الليبي، بقيادته الموحدة، محور الرؤية الأميركية الجديدة.
ترى واشنطن في الجيش الليبي، ممثلاً بقيادة خليفة حفتر ونجله صدام، حجر الزاوية لأمن البلاد واستقرارها، لا مجرد طرف في الصراع الدائر بين الشرق والغرب. فالجيش النظامي، في نظر الإدارة الأميركية، يمثل الضامن الوحيد القادر على فرض الاستقرار ومنع عودة الفوضى التي عصفت بالبلاد منذ عام 2011. هذا التحول في النظرة تجسد بوضوح في استضافة ليبيا، لأول مرة، مناورات “فلينتلوك 2026” في مدينة سرت تحت إشراف القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم). هذا التمرين، الذي شاركت فيه وحدات عسكرية من الشرق والغرب، كان بمثابة نموذج عملي للتعاون متعدد الجنسيات، عزز الثقة في قدرة الجيش الليبي على إدارة الأمن الإقليمي ومواجهة التحديات المشتركة كالإرهاب وحماية الحدود.
يمثل استقبال واشنطن لصدام حفتر تحولا إستراتيجيّا من إدارة الأزمة الدبلوماسية إلى هندسة الاستقرار عبر المؤسسة العسكرية، في إشارة إلى أن الجيش الليبي بات محور الرؤية الأميركية
الرهان الأميركي على المؤسسة العسكرية لم يعد سرا. فسلسلة اللقاءات المتتالية بين المسؤولين الأميركيين وصدام حفتر، الذي عُين نائباً لقائد الجيش العام الماضي، تشير بوضوح إلى دعم واشنطن الضمني لمسار توحيد المؤسسة العسكرية كمدخل أساسي لتوحيد الدولة. وليس من قبيل الصدفة أن يلتقي صدام حفتر، في غضون أيام، بروبيو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، في إشارة إلى أن عائلة حفتر تسعى إلى تقديم نفسها كطرف وطني ودولي لا غنى عنه في أي تسوية مستقبلية. هذا التحرك الدبلوماسي يعكس واقعا ملموسا على الأرض: من دون حفتر، يصبح مسار التوحيد العسكري مستحيلا عمليا.
تتجاوز الرؤية الأميركية الجديدة، التي يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، حدود التنسيق الأمني إلى مشروع سياسي طموح يهدف إلى توحيد مؤسسات الدولة. تدور فكرة المبادرة حول دمج حكومتي عبدالحميد الدبيبة وأسامة حماد في هيكل حكومي موحد، مع بقاء الدبيبة في منصب رئاسة الوزراء وتولي صدام حفتر منصبا قياديا، ربما على رأس مجلس رئاسي جديد. الهدف، كما يُقرأ بين سطور الإعلانات الرسمية، ليس إنهاء الانقسام السياسي فحسب، بل خلق مركز قرار واحد يمكن التعامل معه أمنيا واقتصاديا، وليس الاستمرار في مفاوضات لا تنتهي مع سلطتين متنافستين.
أما البعد الاقتصادي للمبادرة فيكمن في السعي لفرض منطق مؤسسي مالي من خلال ميزانية موحدة وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ ثلاثة عشر عاما. هذه الميزانية، التي جرى الاتفاق عليها في نيسان – أبريل 2026، تهدف إلى الحد من الفوضى الاقتصادية التي تغذي الانقسام، وإعادة الثقة الدولية في قدرة الدولة الليبية على إدارة مواردها، وعلى رأسها النفط. هنا تبرز المصالح الأميركية بوضوح، حيث تعتبر استقرار ليبيا بوابة لزيادة إنتاج النفط الخام وتأمين عقود ضخمة لشركات الطاقة الأميركية مثل شيفرون وكونوكو فيليبس. فالنقاش حول توحيد المؤسسات لم ينفصل عن لقاءات رئيس المؤسسة الوطنية للنفط بمسؤولي شيفرون في واشنطن في التوقيت نفسه.
رهان واشنطن على توحيد ليبيا عبر الجيش النظامي يواجه تحديات الانقسام المؤسسي والتحفظات الإقليمية والسؤال: هل ينجح في بناء دولة موحدة أم يكرس مركز قوة جديد تحت إشراف أميركي؟
رغم الحماسة الأميركية، فإن الطريق إلى التوحيد محفوف بعقبات جمة. فاستمرار وجود مؤسستين عسكريتين وحكومتين متنافستين منذ عام 2014 يجعل من مهمة التوحيد معقدة وشائكة. فالميليشيات المسلحة في الغرب والشرق تستفيد من حالة الانقسام عبر شبكات الفساد والزبائنية، مما يجعلها عقبة رئيسية أمام أي مشروع توحيد حقيقي. كما أن المبادرة الأميركية واجهت انتقادات من أطراف سياسية وقبلية وأمنية، خاصة في الغرب، ترى في رفع صدام حفتر إلى منصب رئاسي تكريسا للنفوذ العسكري الشرقي على حساب المشاركة السياسية الواسعة.
كما أن التحفظات الإقليمية تشكل عاملا معقدا. فبينما تسعى واشنطن إلى تنسيق جهودها مع القوى الإقليمية كتركيا ومصر والإمارات وفرنسا، يبقى موقف هذه الدول متفاوتا. فالقاهرة وأنقرة، على سبيل المثال، تنسقان مع واشنطن لكن لهما أولويات مختلفة؛ تركيا تدعم حكومة الدبيبة عسكريا، بينما مصر تُعتبر حليفا إستراتيجيا لحفتر. هذا التباين قد يعقّد تنفيذ أي اتفاق، خاصة إذا شعر أي من الأطراف بأن مصالحه مهددة. والأهم من ذلك أن الاختبار الحقيقي لقدرة واشنطن يكمن في تحويل الدعم العسكري والاقتصادي إلى استقرار سياسي دائم. فالعديد من المراقبين يعتبرون أن الاتفاق بين النخب والعائلات الحاكمة، دون تغطية أممية شاملة ومشاركة شعبية حقيقية، قد لا يفضي إلى سلام دائم بقدر ما يكرس تقاسم السلطة بين الأقطاب.
تراهن واشنطن اليوم على أن القوة النظامية، ممثلة بالجيش الليبي، يمكن أن تكون المدخل لتوحيد ليبيا، لا عائقا أمامه. فالولايات المتحدة تحاول كسر الجمود السياسي عبر هندسة اتفاق من فوق، يجمع الأطراف المسلحة والاقتصادية الفاعلة أولاً، قبل العودة إلى الإطار السياسي والأممي. لكن السؤال المفتوح الذي يلوح في الأفق هو: هل ينجح هذا الرهان، المستند إلى مبدأ “العمل أولاً ثم السياسة”، في تحويل الجيش إلى مؤسسة جامعة تعبر عن كل الليبيين، أم أنه سيعيد إنتاج مركز قوة جديد يكرّس الانقسام ويجعل من ليبيا ساحة لتنافس النخب وتقاسم الغنائم، تحت إشراف أميركي؟ يبقى المستقبل رهنا بقدرة هذه المبادرة على اكتساب الشرعية الشعبية، والتوفيق بين المصالح المتضاربة للأطراف الإقليمية والدولية.




