رأي

هل ينجح العدالة والتنمية في تمرير الانتخابات المبكرة في ظل إضعاف المعارضة؟

هدى رزق – الميادين:

الحلّ الذي يمنع إضعاف المعارضة هو توحيد جهود جبهة “أوزيل-يواش-إمام أوغلو” خلف مرشّح رئاسي واحد، والالتفاف حول فكرة الحزب الجديد إذا استمر القضاء في محاصرة الهيكل التقليدي لحزب الشعب الجمهوري.

يشهد حزب الشعب الجمهوري في تركيا، أقوى أحزاب المعارضة، أزمة انقسام وصراع علني حادّ على القيادة ويعود الشرخ الداخلي الراهن إلى نهاية عام 2023؛ بعد إطاحة أوزغور أوزيل (بدعم من رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو) بكمال كليتشدار أوغلو الذي قاد الحزب لـ13 عاماً، وذلك في إثر خسارته الانتخابات الرئاسية.

تفاقمت الأزمة عقب صدور قرار من محكمة الاستئناف يقضي بالبطلان المطلق لنتائج المؤتمر العامّ الثامن والثلاثين للحزب. هذا القرار أطاح بالرئيس الحالي أوزغور أوزيل وأمر بإعادة السلف كمال كليتشدار أوغلو لإدارة شؤون الحزب مؤقتاً.

قضت المحكمة ببطلان مؤتمر 2023 بحجّة وجود “مخالفات وتلاعب بأصوات المندوبين” وقبول رشى. نفّذت الشرطة التركية قرار الإخلاء واقتحمت مقرّ الحزب في أنقرة لإخراج أوزيل وسط اشتباكات بين الأنصار.

يرفض تيار “أوزيل وإمام أوغلو” القرار واصفاً إياه بـ”الانقلاب القضائي”، بينما رحّب كليتشدار أوغلو بالقرار لاستعادة “أخلاقيات الحزب”. يتنازع الحزبَ تيار كمالي تقليدي يرى الحزب ممثّلاً للنخبة، وتيار إصلاحي براغماتي يسعى للتصالح مع الهوية المحافظة وبناء تحالفات أوسع.

هل من بعد طائفي بين المكوّنات الأساسية للحزب : علوي – سني؟
لعقود طويلة، اعتبر مواطنو تركيا من الطائفة العلوية حزب الشعب الجمهوري ملاذهم السياسي الآمن بسبب تمسّكه بالدولة العلمانية التي تحميهم من هيمنة الأغلبية.

لم يكن الصراع داخل حزب الشعب الجمهوري طائفياً لكنّ التوازنات المذهبية تؤدّي دوراً عميقاً، كمال كليتشار أوغلو ينتمي إلى الأقلية العلوية، وخلال فترة رئاسته صعد نفوذ القيادات العلوية بشكل غير مسبوق لتسيطر على مفاصل مهمة ومقاعد واسعة داخل مجلس الحزب والبلديات.

اعتبر هذا الموضوع مفسّراً لعدم قدرة الحزب على جذب الكتلة السنية المحافظة الواسعة في الأناضول، مما تسبّب بخسارة الانتخابات المتتالية. عندما تسلّم أوزغور أوزيل القيادة، اتجه نحو إعادة هيكلة الحزب وإقصاء العديد من أسماء الحرس القديم المحسوبة على كليتشدار أوغلو، وهو ما اعتبره أنصار الأخير استهدافاً مبطّناً لإرثهم ونفوذهم داخل الحزب.

هل هناك من لعب على هذا الوتر؟ على الرغم من إعلان المتحدّث باسم العدالة والتنمية بأنهم ليسوا طرفاً في الصراع الداخلي، فإنّ ماكينات الإعلام التابعة للسلطة وظّفت الورقة المذهبية سياسياً.

فخلال انتخابات 2023 الرئاسية، جرى التركيز إعلامياً على أصول كليتشدار أوغلو العلوية لإثارة مخاوف الناخبين السنة، وتتهم المعارضة الرئيس إردوغان صراحة باستخدام “مؤامرة القصر” والقضاء لتفكيك المعارضة وإذكاء الخلافات الداخلية لضمان إضعافها قبل الاستحقاقات الرئاسية المقبلة.

كذلك تفعل الأطراف القومية المتشدّدة التي تستغلّ هذا الشرخ لترسيخ فكرة أنّ الحزب حاد عن مبادئ مؤسسه “مصطفى كمال أتاتورك” وتحوّل إلى رهينة لحسابات طائفية أو عرقية مما يعوق قدرته على تمثيل الهوية التركية الجامعة.

اتهام إردوغان ودولت بهشلي بـ “هندسة الأزمة القضائية”
ينظر تيار واسع داخل حزب الشعب الجمهوري إلى الحكم المفاجئ بإبطال مؤتمر الحزب وعزل القيادة الحالية وإعادة كليتشدار أوغلو على أنه لتفخيخ المعارضة من الداخل وإضعاف زخمها من قبل إردوغان.

صحيح أنّ إردوغان يستفيد سياسياً بشكل مباشر من تشرذم الحزب لتسهيل تمرير تعديلاته الدستورية مستقبلاً (والتي تهدف لفتح الباب أمام ترشّحه مجدّداً) إلّا أنّ هذا التمرير لن يمرّ عبر بوابة كليتشدار أوغلو؛ فالأخير يسعى حالياً لاستعادة الحزب وتثبيت أقدامه داخل بيته الداخلي، أما حزب الحركة القومية وزعيمه دولت بهتشلي فهو أطلق تصريحات تدعو صراحةً إلى ضرورة تجنّب تقسيم الحزب وإيجاد “صيغة توافقية مشتَركة” بين كمال كليتشدار أوغلو وأوزغور أوزيل، هذا الحرص لا ينبع من حرصٍ عاطفي على المعارضة، بل هو تحرّك استراتيجي بحت يحقّق مصالح حزبيّة وسياسيّة عليا لتحالف السلطة.

الهدف الأكبر للتحالف الحاكم (العدالة والتنمية والحركة القومية) هو تمرير التعديلات الدستورية. يطالب بهتشلي المعارضة بـ”عدم مهاجمة القضاء والالتزام بقرار بطلان المؤتمر”، فهو يمنح غطاءً سياسياً وقومياً لحكم المحكمة. هذا التدخّل يسحب من أوزغور أوزيل وإمام أوغلو حجة وصف القرار بأنه “مؤامرة سياسية من القصر”، ويظهره كإجراء قانوني طبيعي يجب الامتثال له.

دعوتُه لـ كليتشدار أوغلو وأوزيل للتوافق وإدارة الحزب معاً تعني عملياً “تثبيت رأسين للحزب”. هذه الصيغة تضمن استمرار الشلل السياسي داخل أكبر أحزاب المعارضة، مما يمنعها من تنظيم صفوفها أو إيجاد مرشّح قوي موحّد لمنافسة إردوغان في حال الذهاب لانتخابات مبكرة.

يحاول بهتشلي تأدية دور “الأب الروحي للسياسة التركية” والمهندس الذي يتدخّل في الأوقات العصيبة لرسم مسارات الأحزاب، وتصريحاته تعيد تعزيز صورته كشخصية فوق حِزبية تملك كلمة الفصل في شؤون البلاد الأمنية والسياسية العليا.

يدرك بهتشلي أنّ أيّ صعود قوي وبراغماتي لحزب الشعب الجمهوري (بقيادة أوزيل وإمام أوغلو) قد يجذب شرائح من الناخبين القوميين والمحافظين، مما يهدّد الخزّان الانتخابي لحزب الحركة القومية.

لا شكّ أنّ إضعاف تيار التغيير في المعارضة يضمن بقاء حزب بهتشلي شريكاً وحيداً ولا غنى عنه للرئيس إردوغان لإدارة الدولة وقيادة البرلمان.

خيار “إعادة التأسيس الثالثة” وتأسيس حزب جديد
طرح رئيس الحزب المُقال أوزغور أوزيل فكرة دعوة أنصاره إلى ما أسماه “إعادة التأسيس الثالثة للحزب”.

يتضمّن هذا السيناريو خروج جناح “أوزيل-إمام أوغلو” بالكامل من الهيكل القضائي الحالي المفروض على حزب الشعب الجمهوري، وتأسيس حزب سياسي جديد يحمل المبادئ نفسها، والاندماج السريع لخوض الانتخابات المبكرة ككتلة موحّدة. هذا الحلّ يحمي تيار التغيير من الخضوع لقيادة مفروضة من المحاكم.

يتمحور الحلّ في تنظيم مؤتمر عامّ عاجل واستثنائي تشرف عليه جهة مستقلة، يُقاد فيه الحزب برئيس توافقي يرضي الجناحين، أو التوافق على آلية تصويت مباشرة من القواعد (كما يطالب أوزيل) لشرعنة القيادة الجديدة قبل إعلان الانتخابات.

بينما يقبع أكرم إمام أوغلو في السجن، يمتلك الحزب ورقة رابحة قوية وخارج دائرة الملاحقة القضائية المباشرة، وهو منصور يواش رئيس بلدية أنقرة بخلفيّته القومية والمحافظة المعتدلة، وهو قادر على قيادة الحملة الرئاسية فوراً وتحقيق إجماع واسع بين أطياف المعارضة بما يشمل القوميين والسنة والمحافظين.

هل سينجح العدالة والتنمية في تمرير الانتخابات المبكرة؟
لا يمتلك تحالف الجمهور (العدالة والتنمية والحركة القومية) وحده الأغلبية المطلوبة (360 مقعداً) لتمرير قرار الانتخابات المبكرة في البرلمان من دون موافقة أجزاء من المعارضة. إذا طرح إردوغان مقترح الانتخابات المبكرة، فإنّ حزب الشعب الجمهوري قد يوافق عليها شرط توفير ضمانات لنزاهة العملية السياسية، لأنّ المعارضة ترى في الانتخابات المبكرة فرصة لإنهاء الحكم الحالي في ظلّ استمرار الأزمة الاقتصادية .

يؤكّد المحللون أنّ الحلّ الذي يمنع إضعاف المعارضة هو توحيد جهود جبهة “أوزيل-يواش-إمام أوغلو” خلف مرشّح رئاسي واحد، والالتفاف حول فكرة الحزب الجديد إذا استمر القضاء في محاصرة الهيكل التقليدي لحزب الشعب الجمهوري.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى