رأي

نعيش في عصر عدم التكافؤ.. كيف يتجلى ذلك؟

“العيش في عصر عدم التكافؤ”، حيث أصبحت “القوة لا تنبع من الحجم أو الثروة، بقدر ما تنبع من القدرة على تحويل الاختلال إلى نفوذ”، فكيف تتجلى مثل هذه الحالات اليوم؟

بفضل الطائرات المسيّرة والصواريخ الرخيصة، استطاعت قوة إقليمية مقيدة بالعقوبات، إعادة تشكيل حسابات المخاطر في صناعة الشحن العالمية، والتحكم بأسواق النفط كيفما تشاء، فقد حوّلت تهديدات إيران لمضيق هرمز أهم ممر مائي للنفط في العالم، إلى سلاح، فيما يعاني الاقتصاد العالمي تبعاً لذلك.

وفي البحر الأحمر، رفعت هجمات اليمن علاوة مخاطر الحرب على سفينة تبلغ قيمتها 100 مليون دولار إلى ما يقارب مليون دولار للرحلة الواحدة في ذروتها في تموز/يوليو 2025، حيث تجنّبت معظم شركات الشحن الكبرى قناة السويس، والتزمت بمسار رأس الرجاء الصالح لما يقارب عامين، ما أضاف من 10 إلى 14 يوماً إلى مدة العبور، ومئات الدولارات كرسوم إضافية على متوسط حاوية الشحن، بطول 40 قدماً.

وفي جزيرة متنازع عليها في غرب المحيط الهادئ، تُنتج شركة واحدة أكثر من 90% من أشباه الموصلات المتطورة في العالم. حيث يعتمد استمرار شركتي “إنفيديا” و”آبل”، والقدرة التشغيلية لعدة جيوش، على بضعة أميال مربعة من المنشآت التي لا يستطيع أي طرف آخر محاكاتها في غضون عقد من الزمن.

هذه ليست ثلاث قصص منفصلة، بل قصة واحدة. لقد تهاوت تدريجياً الفرضية السائدة بعد الحرب الباردة، والتي كانت تقوم على أن التبعية مشتركة على نطاق واسع، وأن الاقتصاد المفتوح منفعة عامة عالمية، بل إنّنا نعيش عصراً من عدم التكافؤ، ومرحلة انتقالية تتدفق فيها القوة بشكل أقل من الحجم أو الثروة، وأكثر من القدرة على تحويل اختلال التوازن إلى نفوذ.

يُحقق الآن الفاعلون الذين يُدركون اختلال التوازن ويستغلونه قبل استقرار الوضع الجديد ميزة استراتيجية. فبينما تُعزز طهران وشركة “TSMC” ميزتهما، يتحمل آخرون تكاليف لم يتعلموا بعد كيفية تقديرها، بدءاً من سيادة الاتحاد الأوروبي المحدودة على بيانات المستهلكين، وصولاً إلى “فولكس فاغن” التي يعتمد تحولها نحو السيارات الكهربائية على مكونات صينية.

كيف تتجلى حالات عدم التكافؤ؟
يمكن أن تتجلى حالات عدم التكافؤ بطرق مختلفة: كيفية ممارسة النفوذ، ومن يسيطر على البنية التحتية التي يعتمد عليها هذا النفوذ، وأي الفاعلين قادرون على الحفاظ على مواقعهم.

على الصعيد العملياتي، تُرجّح ديناميكيات الصراع الحديث كفة المُعطِّل. تُدمّر الطائرات المسيّرة الأوكرانية، التي لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات، معدات روسية تُقدّر قيمتها بملايين الدولارات. يُمكن لأحدث طراز من طائرات “ميثوس” التابعة لشركة “أنثروبيك” أن يُمكّن أي مُخترق من اختراق أغلى أنظمة الدفاع السيبراني. في هذا السياق، لا يُوفّر الحجم حماية تُذكر.

على مستوى البنية التحتية، تشغل بعض الجهات مواقع يعتمد عليها غيرها. فعمليات مقاصة الدولار، وتصنيع الرقائق الإلكترونية، ومعالجة العناصر الأرضية النادرة، والحوسبة فائقة السرعة، ومحطات الحاويات، وأساطيل إصلاح الكابلات البحرية، موزعة بشكل غير متكافئ.

على سبيل المثال، تُكرر الصين نحو 90% من العناصر الأرضية النادرة في العالم، وقد دفع نظام الترخيص الجديد الذي وضعته بكين عام 2025 شركة “رايثيون” العملاقة في مجال الدفاع إلى بذل جهود مضنية لتأمين مواد مقاومة للحرارة للصواريخ. وأظهرت العقوبات المفروضة على روسيا عام 2022 مدى تأثير بنية الدولار.

أما على المستوى السياسي، فلا تستطيع جميع الجهات الحفاظ على الموقف نفسه بعد اتخاذه. فالأنظمة الاستبدادية معزولة هيكلياً عن التكاليف السياسية الداخلية للمنافسة الاستراتيجية، بينما الأنظمة الديمقراطية، المرتبطة بالدورات الانتخابية، ليست كذلك.

تأثير عميق
سيستمر عصر عدم التكافؤ في إحداث تأثير عميق على سلاسل التوريد العالمية. فبينما كان تنويع العقد الماضي جغرافياً – حيث تم توزيع سلاسل التوريد والإيرادات على عدد أكبر من البلدان – يتطلب هذا العصر إعطاء الأولوية للاحتياجات السيادية.

وبدأت الشركات، التي تُمثل محور الاقتصاد العالمي، في اتخاذ تدابير وقائية ضد التعرض لهذه المخاطر، حيث تعتزم شركة “آبل” إنتاج غالبية أجهزة “آيفون” المباعة في الولايات المتحدة في الهند، متخليةً بذلك بشكل جذري عن سلاسل التوريد الصينية.

وقد باعت صناديق التقاعد الدنماركية والسويدية معاً سندات خزانة أميركية بعشرات المليارات من الدولارات، مُعللةً ذلك بعدم استقرار السياسة الأميركية. وفيما تختلف القطاعات، فإنّ غريزة الحماية واحدة.

وبما أن السيادة هي الآن مبدأ الصمود، فإن نجاح الشركات سيتطلب محاكاة نهج دول مثل كندا وسنغافورة. وهذا يعني تعزيز الاعتماد على الذات، وتحصين المواقف ضد نفوذ الآخرين، واستغلال المزايا غير المتكافئة التي تمتلكها هذه الشركات – سواءً كانت تكنولوجيا خاصة، أو سيطرة على المدخلات الحيوية، أو كفاءات عالمية رائدة.

في عصر عدم التكافؤ، غالباً ما تكون نقاط الضعف الأكثر أهمية هي الأقل وضوحاً، ونقاط القوة الأكثر أهمية هي الأقل معرفة.

المصدر: صحيفة “فايننشال تايمز”

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى