رأي

من فيلادلفيا إلى واشنطن: صعود التقدميين وتراجع الغطاء الأميركي لإسرائيل

محمد الصالحين الهوني – العرب:

فوز كريس راب في فيلادلفيا يعكس تحولا عميقا داخل الحزب الديمقراطي، حيث أصبح الخطاب المؤيد للفلسطينيين مركزيا يغير قواعد المنافسة ويهدد الغطاء التقليدي لإسرائيل.

في مساء التاسع عشر من مايو، صعد كريس راب إلى المنصة في قاعة “فيكتوريان بانكيت هول” في حي جيرمان تاون بفيلادلفيا، ونظر إلى جمهوره بعيون فيها شيء يشبه الوعد، وقال “انتُقدت طوال هذه الحملة لكوني متطرفا جدا، جريئا جدا”، ثم أضاف “لم يروا شيئا بعد. هذه مجرد البداية”.

راب، عضو مجلس النواب الفيلادلفي ذو الخطاب الناري، حقق واحدا من أكبر انتصارات اليسار التقدمي في انتخابات التجديد النصفي، متغلبا على منافسين أكثر اعتدالا بفارق يتجاوز عشر نقاط في السباق الديمقراطي لمقعد الكونغرس عن الدائرة الثالثة في فيلادلفيا. وبما أن الحزب الجمهوري لم يقدّم أي مرشح في هذه الدائرة التي تُعدّ من أكثر الدوائر ميلا للديمقراطيين في البلاد، فإن راب يسير بثبات نحو أن يكون الإضافة الأحدث إلى ما يُعرف بـ”الفرقة” – مجموعة الأصوات التقدمية التي تجاهر بمعارضتها لإسرائيل.

لكن ما حدث في فيلادلفيا ليس قصة محلية، بل مؤشر. أصبح سباق الدائرة الثالثة رمزا لنقاش وطني أوسع داخل الحزب الديمقراطي حول المدى الذي يجب أن يذهب إليه الحزب في انتقاد إسرائيل. وما يجعل هذا النقاش مختلفا هو أنه لم يعد نقاشا على الهامش، بل انتقل إلى قلب المنافسة الانتخابية، وأصبح المحدد الأبرز في كيفية اصطفاف الناخبين واختياراتهم.

راب لم يكتف بانتقاد السياسة الإسرائيلية، بل وصف عمليات الجيش الإسرائيلي في غزة صراحة بـ”الإبادة الجماعية”، وطالب بإنهاء المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، وكان الوحيد بين المرشحين الذين أخذوا هذا الموقف بوضوح لا لبس فيه. وبنى تحالفا انتخابيا جمع الاشتراكيين الديمقراطيين وحزب العائلات العاملة ومجموعات حقوقية محلية ووطنية في حملة ميدانية منظمة بدقة.

ما أظهرته نتيجة الانتخابات هو أن هذا الموقف لم يكن عبئا انتخابيا. ناخبون، كناشطة حقوقية في حي إيست فولز، قالوا بوضوح “نحن نهتم عميقا بالإبادة الجماعية وبالأطفال الذين يُقتلون في غزة. تسميتها بما هي عليه أمر مهم”. هذا الصوت، الذي كان يُعدّ منذ سنوات قليلة صوتا أقلويا حتى داخل اليسار الأميركي، أصبح اليوم يمتلك ما يكفي من الكتلة الانتخابية لتحديد نتائج السباقات في قلب أكثر المدن ديمقراطيةً في البلاد.

التحول المدفوع بالشباب والجامعات والمنظمات التقدمية يضع إسرائيل أمام كونغرس أقل استعدادا للدعم غير المشروط وأكثر ميلا لطرح أسئلة صعبة حول المساعدات والانتهاكات

التحول الذي يمثله راب لا يمكن فهمه بمعزل عن مسار السنوات الأخيرة. منذ أكتوبر 2023، أُعيدت صياغة هذا النقاش بصورة جذرية. الحرب على غزة وما رافقها من صور ومعطيات غيّرت مزاج قطاعات واسعة من الرأي العام الأميركي، وتحديدا في الأجيال الأصغر سنا وبين الناخبين الأميركيين من أصول عربية وإسلامية، الذين كانوا جزءا صامتا من التحالف الديمقراطي. هذه الفئات لم تعد صامتة، ولم تعد مستعدة لقبول الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل باعتباره أمرا مفروغا منه.

الجامعات كانت بوتقة هذا التحول. الاحتجاجات الطلابية التي اجتاحت الحُرُم الجامعية الأميركية، والنقاشات التي فُتحت في فصول الدراسة وعلى منصات التواصل، أنتجت جيلا من الناشطين الذين يرون القضية الفلسطينية من منظور حقوقي لا يختلف في بنيته عن منظورهم لقضايا العدالة العرقية والاجتماعية في الداخل الأميركي. هذا الجيل يصوّت الآن، ويُنظّم، ويُموّل الحملات – ويُحدد من يفوز في الدوائر التي كانت تُحسم بعوامل مختلفة كليا.

والظاهرة لا تقتصر على فيلادلفيا. في تكساس، فاز القس فريدريك هاينز الثالث، رجل الدين الناشط في مجال الحقوق المدنية والمتعاطف مع القضية الفلسطينية، بسباق الانتخابات التمهيدية. و”جاستس ديموكراتس” – التنظيم الذي يدعم المرشحين التقدميين – يؤكد أن هذه الموجة ليست حوادث منفردة، بل مسار متسق يتعمق مع كل دورة انتخابية.

الانعكاسات على العلاقة الأميركية – الإسرائيلية تتشكل ببطء لكن بوضوح. الدعم الأميركي لإسرائيل كان تاريخيا يقوم على وفاق حزبي غير معلن – توافق ضمني بين الديمقراطيين والجمهوريين على أن دعم إسرائيل أمر بعيد عن النقاش الانتخابي الجدي. هذا الوفاق يتشقق. راب جعل معارضة “أيباك”، وهو أقوى لوبي مؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، محورا أساسيا في حملته. وحين يصبح هجوم مرشح ناجح على “أيباك” ورقة رابحة لا خاسرة في دائرة ديمقراطية، فذلك يرسل إشارة لا يمكن تجاهلها إلى المرشحين الآخرين الذين يحسبون حساباتهم بعين على الناخبين وعين على الممولين.

في الكونغرس القادم، سيجد الصوت الإسرائيلي نفسه أمام كتلة تقدمية أكبر وأكثر تنظيما وأعلى صوتا مما كانت عليه في أي وقت سابق. هذا لا يعني بالضرورة أن التحولات ستكون فورية أو جذرية في السياسة الرسمية؛ فالسياسة الخارجية الأميركية تتحرك ببطء، وتأثير الفصيل الواحد في الكونغرس له حدوده. لكن ما يتغير هو المناخ السياسي الذي تُنتَج فيه هذه السياسة. حين يصبح التصويت على المساعدات العسكرية لإسرائيل موضوعا يُسأل عنه المرشح في كل مناظرة وكل مقابلة صحفية، تتغير المعادلة ولو ببطء.

يضاف إلى هذا المشهد الديمقراطي بعد يُضاعف التعقيد: التقدميون لم يعودوا يواجهون وفاقا جمهوريا صلبا على الجانب الآخر. داخل الحزب الجمهوري، وإن ظل الدعم العلني لإسرائيل لفظا سياسيا مألوفا، تتصاعد أصوات تشكّك في جدوى الانخراط الأميركي في صراعات الشرق الأوسط. الجناح اليميني الذي يتساءل بصوت مرتفع: “ما الذي يعود علينا من كل هذا الدعم؟” هو في جوهره صوت آخر يعيد التفكير في الغطاء التقليدي الذي حظيت به إسرائيل في الحزبين معا.

الصورة الأكبر التي ترسمها هذه التحولات المتراكمة هي أن إسرائيل تدخل مرحلة جديدة في علاقتها مع واشنطن؛ مرحلة لم تشهد مثيلا لها منذ نشأة هذه العلاقة الخاصة. ليس السؤال هل ستبقى العلاقة؟ فهي ستبقى، لأن جذورها الإستراتيجية والثقافية والمؤسسية أعمق من أن تهزها دورة انتخابية أو موجة تقدمية. لكن السؤال هو كيف ستتأقلم إسرائيل مع كونغرس أقل استعدادا لمنح الدعم غير المشروط، وأكثر ميلا لطرح الأسئلة الصعبة علنا، وأكثر استعدادا للاستماع إلى أصوات كانت تُهمَّش أو تُتجاهل؟

“فلسطين قضية مركزية في هذا السباق لأنها نموذج مصغر لما هو خاطئ في السياسة الخارجية الأميركية الإمبريالية”، هكذا قال المتحدث باسم حملة راب. هذا الخطاب، الذي كان يُصنَّف منذ وقت قريب في خانة الهامش الراديكالي، أصبح اليوم كافيا للفوز بانتخابات تمهيدية في إحدى أكبر مدن الولايات المتحدة وأكثرها رمزية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى