من جرس إنذار إلى زلزال سياسي.. “البديل” بعيون أوروبية!

حسن زنيند – DW:
فوز حزب “البديل” في انتخابات ساكسونيا أنهالت ليس حدثا عابرا، بل زلزالا تمتد أصداؤه في أنحاء أوروبا. فصعود اليمين يوقظ مخاوف شركاء برلين، ويعيد إلى الواجهة شبح تاريخ ألماني لا تزال القارة تحمل آثاره وفق عدد من المعلقين.
ليس من الواضح بعد عمّا إذا كان حزب “البديل من أجل ألمانيا” سيتمكن من تشكيل حكومة ولايةساكسونيا أنهالت ومدى صمود ما يُعرف بـ”الجدار العازل” الذي تلتزم بموجبه باقي الأحزاب بعدم الدخول في تحالف حكومي مع الحزب الشعوبي. فهل سيتمكن هذا الجدار من إيجاد أغلبية تمنع تشكيل حكومة يقودها “البديل”؟ أم ستتبلور في برلمان الولاية ترتيبات سياسية كانت مستبعدة حتى الآن؟
إن مشاركة الشعبويين في الحكومة سيكون لها وقع سياسي مختلف تماما، مقارنة بحصوله على نسبة مرتفعة من الأصوات. عندها لن يتمكن الشعبويون اليمينيون في أوروبا من الاحتفال بمجرد فوز انتخابي، بل بتحقيق مكسب فعلي في السلطة. وتشعر عدد من دول جوار ألمانيا، بالقلق، بشأن ما قد يعنيه فوز “البديل” في بلد يعتبر القلب النابض لقارة.
القلق ينبع أيضا من احتمال أن يكون هذا الفوز مؤشرا على اتساع نفوذ اليمين المتطرف واكتساحه مستقبلا لكل أوروبا. وتزداد حساسية هذا الحدث الانتخابي لأن “البديل” يتبنى مواقف مشككة تجاه التكتل الأوروبي، وأكثر تشددا بشأن سياسة الهجرة، وميولا مؤيدة لروسيا ومعارضة لاستمرار الدعم لأوكرانيا. وهي قضايا تمس مباشرة تماسك الموقف الأوروبي في الدفاع والأمن والسياسة الخارجية. كما يخشى الأوروبيون أن يُضعف صعود “البديل” الدور الألماني التقليدي في بناء التوافقات داخل التكتل، وأن يشجع أحزاب اليمين الشعبوي في دول أوروبية أخرى.
وبهذا الصدد كتبت صحيفة “نيتكاريفا” اللاتفية (التاسع من سبتمبر/ أيلول 2026) معلقة: “لماذا يشكل صعود حزب “البديل” تهديدا لأوروبا ولاتفيا بالتحديد؟ قبل كل شيء، لأنه حزب لا يعترف بالمصالح المشتركة لأوروبا. وهو يؤيد تعاونا غير مشروط وشامل مع روسيا ولا يرى في هذا البلد أي شيء من شأنه أن يجعل التعايش الطبيعي معه مستحيلا.(..) ومن الواضح أن مصالح لاتفيا أو غيرها من الدول “الصغيرة” لا تعيرها قيادة حزب “البديل” أدنى اهتمام. فوفقا لقناعة سياسيي الحزب وناخبيه، لا يستحق الأمر إراقة دماء الجنود الألمان من أجلنا، ولا حتى التخلي عن سنت واحد من الأموال التي يمكن أن تعود بالنفع على الشعب الألماني من أجلها (..) من المرجح أننا لن نستطيع الاعتماد كثيرا على أليس فايدل أو سارا فاغنكنشت أو أولريش زيغموند عندما تبدأ الدبابات الروسية في التمركز على حدود لاتفيا.
قلق بولندي من الفوز الكاسح لـ”البديل”
تراقب بولندا التغيرات السياسية المتسارعة في ألمانيا باهتمام خاص. ومن وجهة نظر وارسو، فإن حصول حزب صنفته هيئة حماية الدستوركحزب يميني متطرف، على أكثر من أربعين بالمائة من الأصوات في ساكسونيا-أنهالت، وتفوقه بفارق كبير على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، ليس مجرد حدث محلي، بل مؤشرا قد ينبئ بتطورات أكثر راديكالية عند الجار الغربي. وفي الوقت الذي تنظر فيه القوى السياسية الوسطية في أوروبا بقلق إلى هذا التطور، يحتفل الشعبويون اليمينيون من روما إلى بودابست كما في موسكو بهذا الاكتساح الانتخابي”.
صحيفة “غازيتا فيبورشا” البولندية (التاسع من سبتمبر) عددت الأسباب المختلفة للمد الشعبوي في شرق ألمانيا وكتبت: “هناك أسباب عديدة للتأييد المرتفع لحزب “البديل” في ساكسونيا-أنهالت. بعض هذه الأسباب تكمن في تراجع عدد السكان، وتراجع التصنيع، وذكريات التوظيف الكامل في الحقبة الشيوعية المتجذرة بقوة في السياق المحلي. أما أسباب أخرى، مثل التدهور الاقتصادي العام وانتهاء نموذج الصناعة الألماني الذي ساد في فترة ما بعد الحرب، فهي ناجمة عن مشكلات على المستوى الاتحادي. وهناك أسباب أخرى، مثل الخوف من الهجرة الجماعية والانتقال إلى عالم أصبح فيه، ولأول مرة في التاريخ، عدد كبار السن في المجتمعات أكبر بكثير من عدد الشباب، وهي قضايا عالمية تشكل تحدِّيا للغرب بأسره”.
الهجرة ليست السبب الوحيد..
يشير تنامي نفوذ اليمين الشعبوي في ألمانيا إلى أزمة أعمق من مجرد صعود تيار سياسي بعينه، فهو يعكس، في جانب مهم منه، اتساع الفجوة بين قطاعات من المجتمع وبين الأحزاب التقليدية ونخبها السياسية. فكلما بدا للمواطن أن قضايا حياته اليومية، من تكاليف المعيشة والسكن والطاقة والهجرة إلى الأمن وفرص العمل، لا تجد ما يكفي من الاهتمام في برامج الأحزاب الحاكمة، ازداد شعوره بأن صوته الانتخابي يفقد قدرته على إحداث تغيير حقيقي. وفي هذه المساحة تحديدا يجد اليمين الشعبوي فرصة لتقديم نفسه بوصفه البديل الذي ينصت للناس ويتحدى النخب، حتى وإن كانت بعض حلولِه تبسيطية أو حادة. وبالتالي فإن مواجهة الشعبوية لا تبدأ بمجرد التحذير منها، بل باستعادة الثقة في السياسة الديمقراطية عبر الإصغاء الفعلي إلى هموم المواطنين وإقناعهم مجددا بأن الانتخابات قادرة على تغيير السياسات، وأن المؤسسات والأحزاب التقليدية ما زالت تمتلك الإرادة والقدرة على تمثيل مصالحهم”.
وبهذا الصدد كتبت صحيفة “سمي” السلوفاكية (العاشر من سبتمبر/ أيلول 2026)، تعليقا ذهب في نفس الاتجاه: “غالبا ما يُفسّر نجاح حزب “البديل” لدى الألمان وبطريقة مبسطة بمشكلة مع الهجرة، فهو حزب يطرح أشد السياسات مناهضة للهجرة، ولذلك يتم انتخابه (..) لكن السؤال الأكثر جوهرية هو: لماذا أصبح ملايين الناخبين أصلا منفتحين على سياسة متطرفة مناهضة للنظام؟ قد يكون موضوع الهجرة عاملا قويا للغاية في حشد الناخبين، لكنه ليس السبب الحقيقي وراء الابتعاد عن السياسة والنظام السياسي (..) منذ تسعينيات القرن الماضي، والأحزاب التقليدية تفقد أتباعها (..)، أحزاب حافظت على نفوذها القوي في الدولة، لكنها في المقابل فقدت جذورها الاجتماعية لدى ناخبيها. وفي الوقت نفسه، أدى انتقال تمويلها من اشتراكات الأعضاء إلى مصادر خارجية إلى زيادة نفوذ رجال الأعمال عليها بدلا من نفوذ الناخبين. (..) وهذا لا ينطبق على ألمانيا وحدها، بل يشمل أوروبا بأكملها (..). عندما يتراكم لدى المواطنين، على مدى عقود، شعور بأنهم يستطيعون عبر الانتخابات تغيير السياسيين والحكومات، لكنهم لا يستطيعون بالقدر نفسه تغيير توجه السياسة، فإن ذلك يخلق مساحة أمام أحزاب تقدم إجابة بسيطة: النظام يتجاهلكم؟ إذن نحن سنحطمه”.
قلق أوروبي من الغزل بين “البديل” وموسكو
يثير التقارب والغزل السياسي بين حزب “البديل” وروسياجدلا واسعا في ألمانيا، خصوصا مع تنامي الانتقادات لأي مواقف يُنظر إليها على أنها متساهلة مع موسكو. وتعتبر برلين أن التواصل السياسي مع روسيا في ظل حربها على أوكرانيا يبعث برسائل مقلقة ويضعف الموقف الألماني والأوروبي تجاه موسكو. وآخر فصول هذا الغزل هو ما أثارته إشادة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين من قبل النائب عن حزب “البديل” يورغن كويغل من جدل، حين وصف زعيم الكرملين (في بوندستاغ، في التاسع من سبتمبر/ أيلول) بـ”الرئيس المحترم فلاديمير بوتين”، وقال إنه لا يشكل أي خطر بشأن نشوب حرب على الناتو. وردّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس بالقول “إن علاقاتكم بموسكو هي خيانة مكتملة الأركان (..) إن روسيا تشنّ حربا ضد المدنيين الأوكرانيين وتشكل تهديدا لألمانيا وأوروبا. (..) الوحيدون الذين ينكرون ذلك، بل ويتحدثون عن “الرئيس المحترم بوتين”، ويصفونه بأنه صديق، ويريدون الخروج من حلف الناتو، وبالتالي يعرضون أمننا جميعا وحياة كثير من الناس للخطر، هم حزب “البديل””.
في المقابل، اتهم كويغل الحكومة الألمانية بالاستعداد لحرب ضد روسيا من خلال زيادة الإنفاق على التسلح. وأشار إلى تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال فيها إن روسيا لا تخطط لشنّ حرب على حلف الناتو. وبهذا الصدد كتبت هيئة الإذاعة الليتوانية تعليقاً جاء فيه أن “حزب “البديل” يشكّل خطرا أكبر بكثير لأنه الحزب الألماني الأكثر تأييدا لروسيا منذ عهد ألمانيا الشرقية سابقا في ظل حكم هونيكر. وبالتالي فإنّ فوز “البديل” سيعني أن برلين ستنهي دعمها لأوكرانيا، وتدخل في تحالف وإن كان مدنياً فقط، مع روسيا ـ بوتين، وتسحب لواء الجيش الألماني من ليتوانيا. إن مثل هذا التحول سيعني فتح أبواب ليتوانيا، وما وراءها، أمام جحافل الروس”، تقول الصحيفة.




