خاصأبرزرأي

لقاء عون ـ ترامب السبت محطة مصيرية للبنان

حسين زلغوط, خاص ـ “رأي سياسي”:

لا شك أن زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن ليست مجرد محطة بروتوكولية في سجل العلاقات اللبنانية – الأميركية، بل تحمل أبعادًا سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز إطار اللقاء الرسمي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فالزيارة تأتي في مرحلة شديدة الحساسية يعيشها لبنان، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية، فيما تزداد الضغوط الدولية لدفع الدولة اللبنانية إلى استكمال تنفيذ التزاماتها السياسية والأمنية، بالتوازي مع الحاجة الملحة إلى دعم اقتصادي وعسكري يعزز قدرة الدولة على تجاوز أزماتها.

وفق المعلومات، فإنه من المتوقع أن يبدأ الرئيس عون برنامجًا حافلًا فور وصوله إلى العاصمة الأميركية، إذ سيعقد لقاءات مع كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، قبل أن يلتقي الرئيس ترامب في اجتماع يُنتظر أن يكون الأبرز في جدول الزيارة. كما تشمل المباحثات لقاءات مع مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) المعنيين بالملف اللبناني، إضافة إلى سلسلة اجتماعات مع أعضاء نافذين في مجلسي الشيوخ والنواب من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وصولًا إلى لقاء واسع مع أبناء الجالية اللبنانية، في رسالة تؤكد أهمية دور الانتشار اللبناني في دعم وطنه وتعزيز حضوره في مراكز القرار الأميركية.

وتكتسب الزيارة أهمية استثنائية لأنها تأتي بعد أشهر من تطورات عسكرية وسياسية فرضت واقعًا جديدًا على لبنان والمنطقة. فالإدارة الأميركية تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية من خلال المفاوضات الجارية، وترسيخ دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وفي مقدمها الجيش اللبناني، باعتباره الركيزة الأساسية لأي تسوية مستدامة.

من هذا المنطلق، سيكون الملف الأمني في صدارة المحادثات، ولا سيما ما يتعلق بتعزيز قدرات الجيش اللبناني واستمرار برامج الدعم العسكري والتقني، في ظل قناعة أميركية بأن المؤسسة العسكرية تبقى الضامن الأول للاستقرار الداخلي ومنع انزلاق البلاد إلى الفوضى. كما ستتناول اللقاءات مستقبل التعاون الأمني بين البلدين، وآليات مواصلة التنسيق في مواجهة التحديات التي فرضتها الحرب الأخيرة.

إلى جانب ذلك، سيكون الوضع الاقتصادي حاضرًا بقوة على طاولة النقاش. فلبنان يحتاج إلى مظلة سياسية دولية تعيد فتح أبواب الدعم والاستثمار، وتمنح المجتمع الدولي إشارات إيجابية حول جدية الدولة في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة. ومن هنا، يسعى الرئيس عون إلى تقديم رؤية تؤكد التزام لبنان بإعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة الثقة بالاقتصاد الوطني، بما يسمح بإطلاق مرحلة جديدة من التعاون مع المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة.

أما اللقاء مع الرئيس ترامب، وفق المعلومات، فإنه يحمل دلالات سياسية تتجاوز الملفات الثنائية، إذ من المنتظر أن يتناول مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط، وانعكاسات التطورات الإقليمية على لبنان، إضافة إلى ملف الجنوب، واستمرار الجهود الرامية إلى منع تجدد الحرب مع إسرائيل، فضلًا عن البحث في سبل حماية لبنان من تداعيات الصراعات الدائرة في المنطقة.

وبحسب المعلومات، فإن اللقاءات التي سيجريها الرئيس عون مع أعضاء الكونغرس لا تقل أهمية، إذ تشكل فرصة لتوسيع شبكة الدعم السياسي للبنان داخل المؤسسة التشريعية الأميركية، خصوصًا أن قرارات المساعدات العسكرية والاقتصادية تحتاج إلى غطاء من الكونغرس. كما أن التواصل مع ممثلي الحزبين يعكس حرص الرئاسة اللبنانية على تحييد العلاقة مع واشنطن عن التجاذبات السياسية الداخلية الأميركية، والحفاظ على دعم مستدام للبنان مهما تبدلت الإدارات.

وفي السياق نفسه، يحمل لقاء الرئيس عون مع الجالية اللبنانية أبعادًا تتجاوز الطابع الاجتماعي، إذ يشكل مناسبة لتأكيد دور اللبنانيين المنتشرين في الدفاع عن مصالح وطنهم داخل الولايات المتحدة، وتشجيعهم على مواصلة الاستثمار والمساهمة في إعادة النهوض الاقتصادي، مستفيدين من حضورهم المؤثر في مختلف القطاعات الاقتصادية والعلمية والسياسية.

من هنا، فإن زيارة واشنطن تشكل اختبارًا مهمًا للدبلوماسية اللبنانية في مرحلة دقيقة، فالنجاح فيها لن يقاس فقط بما سيصدر عنها من بيانات أو مواقف، بل بقدرتها على ترجمة الانفتاح الأميركي إلى خطوات عملية، سواء عبر وقف الحرب، أو تعزيز الدعم للجيش، أو تحريك عجلة المساعدات والاستثمارات، أو تثبيت موقع لبنان على خريطة الاهتمام الدولي. وفي ظل التحديات المتراكمة، يدرك لبنان أن استعادة الثقة الخارجية باتت مدخلًا أساسيًا لاستعادة الثقة الداخلية، وأن أي اختراق في واشنطن قد يشكل بداية مرحلة جديدة إذا أُحسن استثماره سياسيًا ووطنيًا.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى