خاصأبرزرأي

لبنان في زمن التسويات الكبرى: كيف تستعيد الدولة هيبتها؟

يوسف بهاء الدويهي – رأي سياسي:

«لا تُختبر الدول في زمن الحروب بقدر ما تُختبر في زمن التسويات، لأن الحرب توحّد المخاوف، أما التسويات فتكشف حقيقة الدولة.»

مع توقيع الاتفاق بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، وبالتوازي مع التفاهم الأميركي–الإيراني الذي يرسم ملامح مرحلة إقليمية جديدة، ينتقل الشرق الأوسط تدريجيًا من منطق إدارة الصراعات المفتوحة إلى منطق إدارة التسويات.

لكن التاريخ يعلمنا أن الاتفاقات لا تنهي الأزمات تلقائيًا، بل تكشف نقاط القوة والضعف في الدول التي تدخلها. فالدول القوية تجعل من التسويات فرصة لتعزيز استقرارها، أما الدول الضعيفة فتتحول فيها التسويات إلى بداية انقسامات جديدة.

وهنا يجد لبنان نفسه أمام اختبار غير مسبوق. فهو يدخل هذه المرحلة، وهو يمتلك عناصر قوة لا يمكن تجاهلها: شرعية دولية، وموقعًا جيوسياسيًا مؤثرًا، وخبرة تفاوضية متراكمة، وعناصر قوة أصبحت جزءًا من معادلات المنطقة. لكنه يدخلها أيضًا مثقلًا بدولة لم تستعد بعد كامل هيبتها، وبمؤسسات أنهكتها المحاصصة، وبمرجعيات متعددة تتنازع القرار الوطني.

إن السؤال الحقيقي لم يعد: هل الاتفاق جيد أم سيئ؟ ولا: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح: هل يستطيع لبنان تحويل هذه اللحظة التاريخية إلى فرصة لبناء دولة، أم سيبقى أسير موازين القوى الداخلية؟

فالخلاف حول الاتفاق هو انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بمن يملك القرار الوطني، وبالمرجعية التي يحتكم إليها اللبنانيون عند الاستحقاقات المصيرية. فالتسويات لا تصنع الدول، لكنها تكشف مدى تماسكها، وتختبر قدرة مؤسساتها على ترجمة الالتزامات السياسية إلى سياسات وطنية جامعة.

لقد انشغل اللبنانيون لعقود بالنقاش حول السلاح، فيما كانت المشكلة الأعمق تتفاقم بصمت. فليست أزمة لبنان في تفلت السلاح فقط، بل في غياب هيبة الدولة. فالدولة القوية لا تُقاس فقط باحتكارها وسائل القوة، بل بقدرتها على فرض القانون، وحماية الحقوق، وإدارة الاختلافات، وإقناع جميع مواطنيها بأن لا مرجعية تعلو على الدستور والقانون، اللذين تجسدهما مؤسسات الدولة.

ومن هنا، فإن رفض أي طرف لبناني للاتفاق، أو تأييده له، لا ينبغي أن يتحول إلى صراع جديد حول شرعية الدولة نفسها. فالخلاف السياسي مشروع، أما أن تصبح لكل فريق مرجعيته الخاصة في القضايا الوطنية الكبرى، فذلك هو الخطر الحقيقي الذي يهدد مستقبل لبنان.

إن مسؤولية هذه المرحلة لا تقع على مكوّن واحد. فالبيئة الشيعية، بحكم موقعها في معادلة القوة الوطنية، مدعوة إلى المساهمة في الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق ترسيخ الدولة، بما يحفظ كرامة تضحياتها، ويجعلها جزءًا من مشروع وطني جامع. وفي المقابل، تقع على عاتق بقية المكونات اللبنانية مسؤولية مماثلة، تتمثل في التخلي عن ثقافة المحاصصة، والامتيازات، والاستثناءات، وعن كل أشكال الاستقواء بالطائفة، أو بالخارج، أو بالنفوذ المالي، والقبول بقيام دولة يكون الدستور والقانون فيها المرجعية العليا للجميع.

لقد أخطأ اللبنانيون، كلٌّ بطريقته، عندما اعتقد كل فريق أن أمنه يتحقق خارج الدولة، أو أن حقوقه تُصان بقوة طائفته أكثر مما تُصان بقوة القانون. فكانت النتيجة أن ضعفت الدولة، وتكاثرت المرجعيات، وتراجع شعور المواطن بأن انتماءه الأول يجب أن يكون للوطن.

إن المرحلة المقبلة لا تتطلب إعادة توزيع موازين القوى بقدر ما تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين اللبناني والدولة. فالانتقال من دولة المحاصصة إلى دولة المواطنة ليس شعارًا سياسيًا، بل شرطًا لبقاء لبنان نفسه. فالمواطنة لا تلغي التنوع، بل تحميه، لأنها تجعل القانون المرجعية العليا التي تضمن الحقوق والواجبات للجميع، من دون تمييز.

ليست التسويات الكبرى مجرد اتفاقات بين دول، بل هي لحظات تعيد فيها الشعوب طرح السؤال الأساسي: أي دولة نريد؟ فالحروب تؤجل الأسئلة الداخلية، أما التسويات فتفرض مواجهتها. وإذا كانت سنوات الصراع قد دفعت اللبنانيين إلى الاحتماء بالطوائف، والأحزاب، والمرجعيات المختلفة، فإن مرحلة التسويات يجب أن تدفعهم إلى الاحتماء بالدولة وحدها.

إن التحدي الحقيقي أمام لبنان ليس كسب المفاوضات فحسب، بل كسب السلام الداخلي. والسلام الداخلي لا يتحقق بتوازن الخوف بين الطوائف، بل بثقة المواطن بأن الدولة وحدها هي الضامن لحقوقه، وحرياته، ومستقبله.

فالدولة ليست مجرد سلطة تمارس الحكم، بل هي الإطار الدستوري الذي يجسد الإرادة الوطنية، والمرجعية القانونية التي يحتكم إليها الجميع، من دون استثناء أو امتياز. وعندما تتعدد المرجعيات، يفقد الدستور فعاليته، ويتحول القانون من قاعدة عامة مجردة إلى أداة تفاوض بين موازين القوى، فتتراجع هيبة الدولة، حتى وإن بقيت مؤسساتها قائمة شكلًا.

إن مستقبل لبنان لن يتحدد فقط بنتائج الاتفاقات أو بالتفاهمات الإقليمية، بل بقدرته على استعادة هيبة الدولة، بوصفها المرجعية العليا الوحيدة لجميع اللبنانيين. فالدولة القوية ليست تلك التي تمتلك عناصر القوة فحسب، بل تلك التي تجعل الجميع، من أصغر مواطن إلى أكبر صاحب نفوذ، متساوين أمام الدستور والقانون.

وعندما تصبح المواطنة أقوى من الطائفة، والدولة المرجعية العليا، والدستور والقانون المرجع الذي يحتكم إليه الجميع، لا يعود السؤال: من يملك القوة؟ بل: كيف تُوضع كل عناصر القوة في خدمة الوطن؟ عندها فقط تستعيد الدولة هيبتها، ويتحول الاتفاق إلى استقرار، وتتحول التسويات إلى فرصة تاريخية لبناء جمهورية يحكمها القانون، ويصونها مواطنون أحرار ومتساوون في الحقوق والواجبات.

يوسف بهاء الدويهي
محامٍ وباحث في الشؤون الدستورية والسياسية

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى