رأي

قلقنا يتزايد.. وهذه مبادرتنا في روسيا لأمن الخليج

د. نيكولاي سوركوف – الجزيرة:

على مدى العقود الثلاثة الماضية، تمثلت سياسة روسيا في الشرق الأوسط، ولا سيما في الخليج العربي، في الحفاظ على الحياد والتواصل مع جميع الأطراف الإقليمية، من إيران إلى الأنظمة الحاكمة في مجلس التعاون. بيد أنه في ظل الصراعات المستمرة وسباق التسلح والاستقطاب الجيوسياسي المتزايد، بات تطبيق هذا المبدأ مهمة بالغة الصعوبة.

فاللاعبون الإقليميون، المعتادون على منطق المواجهة الجماعية، غالبا ما يشككون في صدق حياد روسيا، ويتوقعون من موسكو أن تنحاز في نهاية المطاف إلى أحد الأطراف، ما يعيق بشكل كبير تطور العلاقات، إذ لا يعتبر أي من الطرفين روسيا شريكا موثوقا به إذا تعاونت مع الجميع في آن واحد.

في هذه الظروف، يبقى الخيار الوحيد أمام موسكو، التي تسعى إلى مواصلة سياستها متعددة الأطراف في هذه المنطقة الحيوية إستراتيجيا، هو حفظ السلام الفعال.

والمنطق باختصار هو: إذا خفت حدة التوترات، فلن تطالب دول المنطقة روسيا بالانحياز إلى أي طرف.

تاريخيا، كانت منطقة الخليج العربي ذات أهمية إستراتيجية لكل من الاتحاد السوفياتي، ثم روسيا ما بعد الحقبة السوفياتية. مع ذلك، وعلى مدى عقود، أعاقت الخلافات الأيديولوجية تطور العلاقات مع المنطقة العربية، وكان شركاء موسكو الرئيسيون في إيران، وخاصة العراق، هم خصوم هذه الدول الإقليمية.

لكن الوضع تغير جذريا بعد أزمة الكويت، حين فرضت على العراق عقوبات دولية قاسية، وجُمدت عقود نفطية وعسكرية ضخمة.

أجبر هذا موسكو، التي كانت تعاني من صعوبات مالية في التسعينيات، على إعادة توجيه سياستها الخارجية والتركيز على تطوير العلاقات مع دول الخليج. نظرت موسكو إليهم كمستثمرين محتملين، والأهم من ذلك، كمشترين رئيسيين للأسلحة الروسية. مع ذلك، ورغم النشاط الدبلوماسي المكثف والزيارات رفيعة المستوى العديدة، كان التقدم في التعاون التجاري والاستثماري بطيئا للغاية.


فقد جاءت مشتريات الأسلحة الروسية أقل بكثير من التوقعات المتفائلة. وفي منتصف التسعينيات، تفاقمت خيبات الأمل الاقتصادية؛ بسبب خلافات سياسية حادة ناجمة عن حروب الشيشان والبلقان.

إن نجاح أو فشل مبادرة روسيا لعام 2026، سيتوقف ليس على جاذبية مفهومها الخارجي وتماسكه، بل على استعداد الفاعلين الإقليميين أنفسهم لتقديم تنازلات متبادلة غير مسبوقة، فضلا عن قدرة روسيا وشركائها الدوليين على تقديم ضمانات حقيقية وملموسة

في ظل هذه الظروف، بذلت موسكو جهودا كبيرة لرفع العقوبات عن العراق، معتبرة ذلك وسيلة للتعويض عن إخفاقاتها في “المسار العربي”.

شهد مطلع الألفية الثانية عودة روسيا إلى الشرق الأوسط وفق مبادئ جديدة. فقد وضعت القيادة الروسية هدفا يتمثل في استعادة وتعزيز مكانتها في هذه المنطقة من العالم.

وفي ذلك الوقت، أدرك الكرملين أن مجلس التعاون يضم بلدانا ذات إمكانيات مالية واقتصادية وطاقية هائلة، يمتد نفوذها إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة. واعتقدت موسكو، عن حق، أن العلاقات مع هذا التكتل ستحدد بشكل مباشر مكانة روسيا الدولية في عالم متعدد الأقطاب ناشئ.

كان على روسيا أن تثبت أنها ليست مجرد حليف للعراق، بل ملتزمة بأمن جميع دول المنطقة. ولذلك، أطلقت في عام 2001 أول مبادرة رئيسية لحفظ السلام. واقترح الكرملين أن تتفق دول المنطقة على إنشاء “منطقة سلام واستقرار خالية من أسلحة الدمار الشامل” في الخليج.

كان الهدف من هذا النظام من الاتفاقيات الدولية، هو تعزيز الثقة المتبادلة، وضمان عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والحد من سباق التسلح. في ظروف العام 2001، كان هذا يعني في المقام الأول تخفيف التوترات حول العراق والخروج تدريجيا من عزلته.

شكل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 والإطاحة بصدام حسين تحديا خطيرا للمصالح الروسية، وبذلت موسكو قصارى جهدها لحماية مصالحها الاقتصادية في البلاد، ولا سيما عقود تطوير حقول النفط، وسعت أيضا إلى استعادة سيادة العراق سريعا.

خلال هذه الفترة، شهدت روسيا اهتماما متزايدا من دول الخليج، مدفوعة بتصاعد التوترات الإقليمية واستيائها من السياسة الأمريكية. ورأت موسكو في ذلك “فرصة سانحة” لإقامة علاقات أوثق مع الخليج.

مع ذلك، تصرفت بحذر، ولم تسع إلى تحدي الهيمنة الغربية في المنطقة بشكل مباشر، بل اتخذت موقفا دبلوماسيا كوسيط قادر على التفاوض مع كل من طهران والرياض.

سيتحدد مستقبل الوجود الروسي في الخليج ليس بالأقوال، بقدر ما سيتحدد بالأفعال الملموسة واستعداد موسكو لتقديم التزامات طويلة الأجل

أعطى بروز الملف النووي الإيراني مجددا بعد عام 2005 زخما جديدا وقويا لتطوير العلاقات الروسية العربية. وانطلاقا من قلقها إزاء تنامي قوة إيران، بدأت دول الخليج في إقامة اتصالات مع روسيا، نظرا لكونها من بين الوسطاء الدوليين المتفاوضين مع طهران.

من المهم الإشارة هنا إلى أن روسيا ومجلس التعاون الخليجي تبنيا إلى حد كبير نهجا مماثلا في مجال منع الانتشار النووي، إذ دعا كلا الجانبين إلى جعل منطقة الخليج منطقة خالية من الأسلحة النووية.


إلى جانب ذلك، كانت دول الخليج مهتمة بالحصول على دعم سياسي من روسيا بصفتها عضوا دائما في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

في عام 2007، جرى تحديث مفهوم روسيا للأمن في الخليج العربي ليعكس تصاعد الوضع المحيط بالبرنامج النووي الإيراني. وخلال زيارته إلى الإمارات العربية المتحدة، كشف الرئيس بوتين عن مبادرة جديدة تتسم بالنهج التدريجي والشمولية.

كان الهدف هو إنشاء منظمة شبيهة بمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ولكن لمنطقة الخليج. لاقت هذه المبادرة استحسانا عاما، لكنها لم تفعل، إذ أبدت الأنظمة بالمنطقة العربية عدم رغبتها في التعاون مع إيران في القضايا الأمنية.

مع ذلك، ساهمت المبادرة في تعزيز اتصالات روسيا مع مجلس التعاون. ورغم أن شائعات صفقات أسلحة كبيرة محتملة لم تتحقق، فقد تم التوصل بحلول عام 2011 إلى اتفاق لإقامة حوار إستراتيجي.

لكن بعد إلغاء ترمب الاتفاق النووي، بدأت التوترات في الخليج تتصاعد بسرعة مرة أخرى. في ذلك الوقت، كان التعاون الروسي مع إيران يتطور بسرعة، وكانت موسكو وطهران تدعمان نظام الأسد في سوريا وتسعيان إلى توسيع العلاقات الاقتصادية الثنائية.

في الوقت نفسه، كان تعزيز العلاقات مع الأنظمة الخليجية، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة، ذا أهمية بالغة لروسيا. لذلك، عادت القيادة الروسية مجددا إلى فكرة إنشاء بنية أمنية جديدة في الخليج، من شأنها خفض حدة المواجهة بين الدول العربية الست وإيران.

استندت المبادرة الروسية لعام 2019 لإنشاء بنية أمنية في الخليج إلى مبدأ أساسي مفاده أن التهديدات الأمنية ضد إيران لن تؤدي إلا إلى التصعيد. لذلك، كان من الضروري عدم عزل طهران، بل ضمان حوارها مع مجلس التعاون بأقصى قدر من الشفافية، لا سيما في المجال العسكري.

لم تتضمن المبادرة الروسية توصيات محددة، بل اقترحت عقد مؤتمر دولي حول الأمن والتعاون يضم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي.

كان الهدف من هذا الإطار الواسع هو أن تتفق دول الخليج وإيران ليس فقط على خفض التصعيد، بل أيضا على وضع آليات للتعاون حيثما أمكن.

يبقى التحدي الوجودي الرئيسي الذي يواجه موسكو طوال هذه الفترة هو الحفاظ على التوازن الهش بين شراكتها الإستراتيجية مع إيران، التي تتعمق عاما بعد عام، وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية الحيوية مع دول الخليج

في عام 2026، وجدت روسيا نفسها مجددا في موقف قد تلحق فيه التوترات في الخليج ضررا بمصالحها. على سبيل المثال، قد تؤثر الشكوك حول الدعم الإيراني سلبا على العلاقات مع بعض الدول الخليجية التي تربطها بها علاقات وتفاهمات. لذلك، سارعت موسكو إلى إعداد نسخة جديدة من خطة خفض التصعيد، وجعلتها أكثر واقعية من نسخة عام 2019.

فبينما كانت موسكو قد اقترحت سابقا عملية مطولة تقوم فيها دول المنطقة نفسها بوضع معايير هيكل أمني، ركزت نسخة 2026 على خطوات عملية، أبرزها اتفاقيات عدم الاعتداء الثنائية والضمانات الأمنية.

علاوة على ذلك، تغير الخطاب. فبينما دعت روسيا في عام 2019 إلى إشراك جهات خارجية كضامنين أمنيين، دعت الخارجية الروسية في عام 2026 بشكل مباشر إلى مراجعة جوهرية لدور الولايات المتحدة في المنطقة.

تقدم روسيا بديلا للنموذج الأمني الحالي القائم على التكتلات العسكرية والوجود الخارجي، مؤكدة على الحوار الشامل والضمانات المتبادلة والحد الحقيقي من التسلح. باختصار، يمثل مفهوم 2026 محاولة لاستغلال صراع عسكري سياسي مفتوح لإعادة تشكيل منظومة العلاقات الدولية في الخليج بشكل جذري.

لذا، كان مسار تطور السياسة الروسية في الخليج العربي بمثابة رحلة طويلة وشاقة، بدءا من دعوات خجولة للتخلي عن أسلحة الدمار الشامل في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، وصولا إلى مبادرات طموحة لإعادة تقييم دور الولايات المتحدة في المنطقة في منتصف العقد الحالي.

إعلان
ويبقى التحدي الوجودي الرئيسي الذي يواجه موسكو طوال هذه الفترة هو الحفاظ على التوازن الهش بين شراكتها الإستراتيجية مع إيران، التي تتعمق عاما بعد عام، وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية الحيوية مع دول الخليج.

إن نجاح أو فشل مبادرة روسيا لعام 2026، سيتوقف ليس على جاذبية مفهومها الخارجي وتماسكه، بل على استعداد الفاعلين الإقليميين أنفسهم لتقديم تنازلات متبادلة غير مسبوقة، فضلا عن قدرة روسيا وشركائها الدوليين على تقديم ضمانات حقيقية وملموسة لا ينظر إليها المتشككون على أنها مجرد أداة أخرى للمساومة الجيوسياسية بين القوى العظمى.

في نهاية المطاف، سيتحدد مستقبل الوجود الروسي في الخليج ليس بالأقوال، بقدر ما سيتحدد بالأفعال الملموسة واستعداد موسكو لتقديم التزامات طويلة الأجل.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى