رأي

غرينلاند قد تقصم ظهر البعير!

عندما هاجم الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير الإدارة الأمريكية الحالية، واتهمها بتحويل النظام الدولي إلى «وكر للصوص»، حيث «يأخذ فيه الأكثر انعداماً للضمير كل ما يريدون، وحيث يتم التعامل مع مناطق أو دول بأكملها على أنها ملك لقلة من القوى العظمى»، إنما كان يقدم توصيفاً دقيقاً لما آلت إليه الأمور منذ وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة، من انهيار للقانون الدولي والعلاقات الدولية، وبروز منطق القوة كأساس لهذه العلاقات.
ولعل ما شهدته حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة بضوء أخضر أمريكي ودعم عسكري وسياسي غير مسبوقين، والهجوم العسكري الأمريكي – الإسرائيلي على إيران، وأخيراً الغزو الأمريكي لفنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما للمحاكمة في نيويورك، والتهديدات المتلاحقة لكولومبيا وكوبا والمكسيك، وأخيراً التهديد بغزو جزيرة غرينلاند الدنماركية، وإصداره أمراً إلى قيادة العمليات الخاصة المشتركة لإعداد خطة للغزو، كل ذلك يكشف عن وصول هذه الإدارة إلى حالة من التغوّل والنهم على دول ومقدرات الغير، ما بات يشكل لحظة مفصلية في انقلاب كامل على كل ما كان مستقراً في العلاقات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية من مواثيق وقوانين واتفاقيات ترسي حالة من الأمن والاستقرار في العلاقات الدولية.
إن الإدارة الأمريكية الحالية تدمر كل هذه الأسس وتسعى إلى فرض واقع عالمي جديد يخضع لسلطة شعار «لنجعل أمريكا قوية مجدداً»، من خلال السيطرة المباشرة وبالقوة.
وعندما تعلن رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن أن إقليم غرينلاند المتمتع بالحكم الذاتي داخل مملكة الدنمارك يمر ب«لحظة حاسمة» في ظل سعي ترامب إلى ضمه إلى الولايات المتحدة، فإنها بذلك تضع جزءاً من بلادها أمام واقع احتمال تعرضه للغزو والاحتلال، خصوصاً بعد طلبه إعداد الخطط اللازمة للغزو، وإعلان عزمه الاستحواذ عليها «بطريقة أو بأخرى»، قائلاً «إن لم نأخذ غرينلاند سوف تستحوذ عليها الصين وروسيا، وأنا لن أسمح بحدوث ذلك»، وأضاف «نتحدث عن الاستحواذ على غرينلاند، وليس عن إيجارها».
كلام ترامب فيه تهديد جدي، بل نية حقيقية لغزو الجزيرة واحتلالها، رغم أنه لم يصدر يوماً عن الصين أو روسيا ما يشير إلى نيتهما احتلال الجزيرة، أو الاعتداء على سيادة الدنمارك، العضو في حلف «الناتو»، وكل ما في الأمر أنهما دولتان موجودتان في منطقة المحيط المتجمد الشمالي في إطار «مجلس القطب الشمالي» الذي يدير المنطقة.
في حال إقدام ترامب على غزو الجزيرة، فإن ذلك يُعد تجاوزاً لحلف «الناتو» واعتداء على سيادة دولة عضو فيه من جانب دولة عضو أخرى، وهذا يفترض تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الحلف التي تنص على أن أي هجوم مسلح ضد دولة عضو يُعد هجوماً على الجميع، ما يعني أن جميع الأعضاء ملزمون بمساعدة الطرف المعتدى عليه بشكل فردي أو جماعي، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة. لكن بما أن الولايات المتحدة هي المقصودة فمن الصعب على الدول الأخرى الالتزام بالمادة الخامسة، لأنها ستخاطر بحرب لا قدرة لها عليها، وهذا يعني عملياً أن الولايات المتحدة كتبت السطر الأخير في وجود «الناتو» الذي فقد مبرر بقائه، وبذلك تكون أطماع ترامب في جزيرة غرينلاند الغنية بالنفط والمعادن النادرة والموقع الاستراتيجي قد قصمت ظهر البعير.
لذلك تحاول بعض الدول الأوروبية الأعضاء في «الناتو» البحث عن مخارج للأزمة مع الولايات المتحدة بمناقشة خطط لتعزيز وجودها العسكري في الجزيرة عبر تشكيل قوة من «الناتو» لتظهر للرئيس ترامب أن القارة جادة في حماية أمن القطب الشمالي.
.. لكن مثل هذه الخطط لن تغري ترامب، ولن تكون بديلاً له عن الاستحواذ على الجزيرة.

المصدر: الخليج

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى