رأي

صيف مثمر في الكويت

ندى مهلهل المضف – القبس:

مع انتهاء العام الدراسي وبداية الإجازة الصيفية، يشعر الأبناء بفرحة التحرر من الواجبات والاختبارات، بينما يبدأ كثير من أولياء الأمور بالتساؤل: كيف يمكن استثمار هذه الأشهر الطويلة بطريقة تعود بالنفع على أبنائنا؟
الصيف ليس مجرد فترة للترفيه أو الراحة من الدراسة، بل هو مساحة واسعة لصناعة العادات، واكتشاف المواهب، وبناء الشخصية. فالطفل أو المراهق الذي يمتلك ساعات طويلة من الفراغ من دون هدف أو خطة، غالباً ما يملأ هذا الفراغ بما هو متاح وأسهل وصولاً، وغالباً ما يكون ذلك عبر الأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الرقمية.

تشير العديد من الدراسات إلى أن الاستخدام المفرط للشاشات يرتبط باضطرابات النوم وضعف التركيز وزيادة التوتر والقلق لدى الأطفال والمراهقين. كما أن السهر المتكرر واختلال الساعة البيولوجية خلال الإجازة يؤثران في المزاج والطاقة والقدرة على الانضباط، ويجعلان العودة إلى المدرسة أكثر صعوبة.

ومن هنا تظهر أهمية توافر بيئات تربوية هادفة خلال الصيف، لا تقتصر على الترفيه فقط، بل تجمع بين المتعة والتعلم واكتساب المهارات الحياتية. فالمراهق يحتاج في هذه المرحلة إلى ما هو أكثر من شغل الوقت؛ يحتاج إلى من يساعده على اكتشاف ذاته، وتنمية ثقته بنفسه، وتعلم تحمل المسؤولية، وبناء علاقات اجتماعية صحية.

إن الأنشطة الجماعية والبرامج المنظمة تتيح للأبناء فرصاً حقيقية لممارسة قيم مهمة مثل التعاون والاحترام والانضباط والالتزام بالوقت. كما تمنحهم تجارب عملية تعزز الاستقلالية واتخاذ القرار وحل المشكلات، وهي مهارات لا تُكتسب غالباً من خلال الجلوس لساعات أمام الشاشات.

كما أن تعويد الأبناء على روتين يومي متوازن خلال الصيف ينعكس إيجاباً على صحتهم النفسية والجسدية. فالنوم المبكر، والاستيقاظ في وقت مناسب، وممارسة الرياضة، والقراءة، والمشاركة في الأنشطة الهادفة، كلها عناصر تسهم في تكوين شخصية أكثر توازناً وقدرة على مواجهة تحديات الحياة.

ولا ينبغي أن يكون الهدف من الإجازة ملء كل دقيقة بالنشاطات، بل إيجاد توازن صحي بين الراحة والترفيه والنمو الشخصي. فالذكريات الأجمل والأثر الأعمق لا يصنعهما الهاتف أو الألعاب الإلكترونية، بل تصنعهما التجارب الإنسانية والمهارات والقيم التي يكتسبها الأبناء خلال رحلتهم في الحياة.

إن الاستثمار الحقيقي في الصيف ليس في عدد الرحلات أو ساعات الترفيه، بل في الأثر الذي يبقى في شخصية الابن أو الابنة بعد انتهاء الإجازة. فالصيف يرحل سريعاً، أما العادات والقيم والمهارات التي تُزرع فيه فقد تبقى لسنوات طويلة وتشكل جزءاً من شخصيته.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى