رأي

صياغة جديدة لملفّات التجارة والدفاع: أوروبا تنحني لـ«عاصفة» ترامب

سعيد محمد – الأخبار:

تتقاطع الضغوط الاقتصادية من جانب دونالد ترامب على حلفاء بلاده الأوروبيين، مع إعادة هيكلة للوجود العسكري الأميركي في القارة، ومساعٍ مُكثّفة لانتزاع جزيرة غرينلاند من حكم التاج الدنماركي.

لندن | تستمرّ الشراكة التاريخية بين ضفّتَي الأطلسي في التعرّض لاختبارات متلاحقة غير مسبوقة، لتتقاطع التهديدات الاقتصادية المباشرة مع إعادة هيكلة الوجود العسكري الأميركي في القارّة العجوز، وصولاً إلى المطامع الاستراتيجية للولايات المتحدة في جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك. ولا تخفي إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، توجّهاتها لإعادة صياغة توازنات القوى وشروط التبادل التجاري مع أوروبا بما يخدم المصالح الأميركية أولاً، فيما يبذل الأوروبيون غاية جهدهم لإرضاء حاميهم بصيغة تقلّل من الآثار السلبية على الأسواق المحلّية، وتحفظ الحدّ الأدنى من السيادة السياسية.
على جبهة التجارة، أثمرت المفاوضات المُكثّفة بين البرلمان الأوروبي والدول الأعضاء، اتّفاقاً مؤقّتاً لتفعيل المعاهدة التجارية المثيرة للجدل مع الولايات المتحدة، والمعروفة باسم «اتفاق تورنبيري (اسكتلندا)». وجاءت هذه الخطوة استجابة للمهلة التي حدّدها ترامب لإقرار المعاهدة – والتي تنتهي في الرابع من تموز/ يوليو -، تحت طائلة رفع الرسوم الجمركية على السيارات والشاحنات الأوروبية المُستوردة من 15% إلى 25%، مع إمكانية فرض رسوم إضافية ستشمل قطاعات صناعية واسعة. ويلتزم الجانب الأوروبي، بموجب «اتفاق تورنبيري»، بإلغاء الرسوم الجمركية على معظم السلع الصناعية الأميركية وبعض المُنتجات الزراعية، بالإضافة إلى استثمار 600 مليار دولار في قطاعات استراتيجية داخل الولايات المتحدة حتى عام 2028، وشراء مُنتجات طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار، على أن توافق واشنطن في المقابل على وضع سقف للرسوم الجمركية على الصادرات الأوروبية عند مستوى 15%.

وشهدت كواليس المفاوضات داخل الاتحاد الأوروبي انقسامات حادّة بين كتلة اليمين – «حزب الشعب» الأوروبي – التي طالبت بالإسراع في إقرار الاتفاق لتجنيب قطاع السيارات وباقي الصناعات الحيوية صدمة كبرى، وممثّلي تيارات اليسار و«الخضر» الذين شدّدوا على ضرورة وضع كوابح قانونية صارمة لضمان التزام الجانب الأميركي بوعوده. ويقول مطّلعون على مداولات البرلمان إن المفاوضين الأوروبيون نجحوا في إدراج أدوات حماية خاصة، بما في ذلك آلية تتيح لبروكسل إعادة فرض الرسوم الجمركية إذا ألحقت الصادرات الأميركية ضرراً بالصناعات المحلية، أو إذا استمرّت الولايات المتحدة في تطبيق رسوم تتجاوز 15% على مشتقّات الصلب والألمنيوم الأوروبية بحلول نهاية عام 2026. كما حُدّد تاريخ كانون الأول/ ديسمبر 2029، موعداً لانتهاء العمل بالاتفاق الحالي ما لم يتمّ تجديده، وهو توقيت يتزامن مع نهاية الفترة الرئاسية الأميركية الحالية.

وتتّجه الأنظار، تالياً، نحو الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي في منتصف حزيران/ يونيو المقبل، حيث سيمثّل التصويت النهائي على الاتفاق التجاري مؤشراً مهمّاً على طبيعة المسار الذي ستسلكه العلاقات عبر الأطلسي في السنوات القليلة المقبلة. وتتكامل الضغوط الاقتصادية الأميركية مع توجّهات جلية لإعادة صياغة الدور العسكري لواشنطن في إطار «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)؛ إذ أعلن «البنتاغون»، رسمياً، تقليص عدد الفرق القتالية المُدرّعة المتمركزة في أوروبا من أربع إلى ثلاث، ما يعيد مستويات الجنود الأميركيين إلى ما كانت عليه في عام 2021. وتشمل التدابير العسكرية الجديدة سحب نحو 5000 جندي من القارة الأوروبية، حيث يتمركز الجزء الأكبر منهم حالياً في ألمانيا؛ كما أوقفت واشنطن تدوير لواء مُدرّع يضمّ نحو 4000 جندي كان مُقرَّراً إرساله إلى بولندا، بالإضافة إلى إلغاء نشر كتيبة مدفعية بعيدة المدى.

باشر «البنتاغون» إرسال وفود عسكرية لمعاينة المطارات والموانئ القديمة في جنوب غرينلاند

وتربط إدارة ترامب هذه الإجراءات برؤيتها القائمة على تشجيع الحلفاء الأوروبيين على تحمّل المسؤولية الرئيسيّة عن دفاعهم التقليدي، بعد عقود من العيش تحت مظلّة الحماية الأميركية. ونقلت الصحف عن قادة عسكريين أميركيين متمركزين في أوروبا قولهم إن هذه التغييرات تجري بالتزامن مع نموّ القدرات القتالية الأرضية لدول من مثل بولندا ودول البلطيق، ما يسمح للولايات المتحدة بإعادة توجيه فائض قوتها نحو أولويات استراتيجية عالمية أخرى. لكنّ تلك القرارات تتسبّب بتوتّرات مع الحلفاء الأوروبيين، ولا سيما ألمانيا، التي انتقدت طريقة تعامل الولايات المتحدة مع ملفات الشرق الأوسط والحرب على إيران. وتريد واشنطن مساهمة أوروبية أكبر في تأمين الممرّات المائية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، وهو ما تقابله العواصم الفاعلة في القارّة بحذر شديد، في حين تلوح في الأفق خلافات أخرى تتعلق بآليات التعامل مع الأزمة الأوكرانية، وقرارات الإدارة الأميركية الخاصة بالإعفاءات النفطية الروسية.
وممّا يوسّع من دائرة التباين الاستراتيجي بين ضفّتَي الأطلسي أيضاً، النوايا الأميركية المُعلنة لابتلاع جزيرة غرينلاند، التابعة للسيادة الدنماركية. وعلى هذه الجبهة، تشهد واشنطن مفاوضات سرّية مستمرة منذ عدّة أشهر بين ممثّلين عن الولايات المتحدة والدنمارك وحكومة غرينلاند المحلّية، بهدف صياغة ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة تحلّ محل الاتفاقية الدفاعية المُبرمة عام 1951. وتضغط الولايات المتحدة لضمان بقاء القوات الأميركية في الجزيرة لفترات غير مُحدَّدة، حتى في حال حصول الأخيرة على الاستقلال التامّ عن الدنمارك في المستقبل، مع امتلاك صلاحيات فحص المشاريع الاستثمارية الكبرى في غرينلاند وإبطالها – بهدف منع الشركات الروسية والصينية من دخول قطاعات البنية التحتية والموانئ هناك -.

وتزامناً مع المفاوضات في واشنطن، باشر «البنتاغون» إرسال وفود عسكرية لمعاينة المطارات والموانئ القديمة في جنوب الجزيرة، تحضيراً على ما يبدو لتوسيع الوجود العسكري لجيش الولايات المتحدة فيها، بما يشمل قاعدة بحرية رئيسيّة، ومراكز تدريب للقوات الخاصة. وتحظى غرينلاند باهتمام الإدارة الأميركية نظراً إلى احتوائها على مخزونات ضخمة من النفط، واليورانيوم، والأتربة النادرة، والمعادن التي تدخل في الصناعات المتقدّمة، ويتمّ الكشف عنها تدريجياً مع تراجع غطاء الجليد القطبي. على أن هذه التحرّكات الأميركية تواجه معارضة قوية في الجزيرة، حيث تثير المطالب الجشعة مخاوف النواب والمسؤولين في نوك العاصمة، من تحوّل بلادهم إلى مجرّد أداة في مشروع جيوسياسي أكبر، ما سيقضي على طموحات الاستقلال التدريجي. وتجلّت تلك المعارضة في أعلى درجاتها خلال الزيارة التي قام بها جيف لاندري، مبعوث ترامب إلى غرينلاند؛ حيث قوبلت محاولاته للتقرّب من السكّان المحليين ببرود شديد ورفض رسمي وشعبي، فيما شدّد رئيس وزراء الجزيرة، جيرس فريدريك نيلسن، في تصريحات له، على أن علاقة بلاده بمملكة الدنمارك ومسألة الاستقلال تمثّلان ملفاً داخلياً خالصاً لا شأن للأميركيين به، مؤكداً إصراره على إبقاء القوانين البيئية الحالية الصارمة سارية على أيّ أنشطة تعدين مستقبلية.

وفي ضوء كلّ ما تقدّم، يرى الخبراء أن العلاقات الأميركية – الأوروبية تمرّ بمرحلة صياغة جديدة، تقوم على أسس من الواقعية السياسية والمصالح المباشرة، بدلاً من التحالفات التقليدية الموروثة منذ الحرب العالمية الثانية، فيما يبقى التحدّي المرحلي الأكبر للأوروبيين متمثّلاً في مدى جدّية الطرف الأميركي في الالتزام ببنود التفاهمات، إذ تظلّ الهواجس قائمة بشأن إمكانية تبدّل مواقف ترامب من دون مقدّمات، ولا سيما مع تقاطع الضغوط المستمرّة في ملفات التجارة والدفاع والإنفاق العسكري، والتطلّعات المتنامية إلى السيطرة على الممرّات والموارد الاستراتيجية في منطقة القطب الشمالي وغرينلاند.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى