ستارمر تفادى الإقالة لكن بريطانيا منقسمة

يأمل ستارمر أن يكون قد نجا من الإقالة في الوقت الحالي، لكن هذه الانتخابات تجعل بريطانيا أكثر انقساماً من أي وقت مضى.
جوناثان فريدلاند – ذا غارديان:
يبدو أن نتائج انتخابات الخميس كانت كافية لتمكين كير ستارمر من صدّ المطالبات برحيله الفوري. لكن هذا لا ينبغي أن يحجب الصورة الأكبر، التي لا تُعدّ كارثية لحزب العمال فحسب، بل لها أيضًا تداعيات مقلقة على السياسة البريطانية، بل وحتى على مستقبل البلاد.
لنبدأ برئيس الوزراء الذي كان يُعتقد أن مصيره معلق بهذه الانتخابات. فربما تحسّنت العمليات السياسية في داونينغ ستريت، لكن صباح الجمعة بدا أن مقر رئاسة الوزراء قد استفاد من إدارة التوقعات. وكان نواب حزب العمال مستعدين لخسارة ما يصل إلى 2000 مقعد في المجالس المحلية في إنجلترا، حيث كان يُنظر إلى 1500 مقعد على أنها الحد الأدنى لتحدّي القيادة. لكن التحليلات الأولية أشارت إلى حصيلة نهائية للخسائر أقل من ذلك الرقم الأول. وبعبارة أخرى كانت النتائج سيئة، لكن ليس بما يكفي لإقالة رئيس الوزراء.
ولكن حتى أشد حلفاء ستارمر ولاءً لا يؤيدون، في جلساتهم الخاصة، ترشحه في الانتخابات العامة المقبلة . ومطلبهم في الوقت الراهن أكثر تواضعًا هو منحه عامًا آخر، ليرى إن كان بإمكانه تغيير الوضع. وقد منحت هذه النتائج دفعة تكتيكية صغيرة لهذا الرأي؛ فهزائم حزب الإصلاح في دوائر انتخابية مثل تامسايد وويغان، معقل منافس ستارمر الأبرز، عمدة مانشستر الكبرى، آندي بورنهام، تُذكّر بأنه لا يوجد ما يضمن حتى وصول بورنهام إلى البرلمان، فضلًا عن رئاسة الوزراء.
وإن لم يُثنِ ذلك من ينوون المطالبة بتغيير في القيادة، فإن لدى فريق ستارمر المزيد من الأوراق الرابحة. يقولون: انظروا كيف استجاب الناخبون للمهزلة التي تحول إليها حزب المحافظين عندما دأب على الخيانة. ولن يتسامح الناخبون مع تكرار هذا الأداء من حزب العمال.
كما يقول المقربون من رئيس الوزراء إنه في حال تمكن الحزب من الإطاحة بستارمر، فإن المطالبة بإجراء انتخابات عامة جديدة ستكون مدوية، وسيزيد من حدتها صحافة معادية كانت مستعدة لقبول تغيير القيادة عندما فعلها المحافظون، لكنها لن تسمح لحزب العمال بالمثل. أما بالنسبة لنواب حزب العمال الذين يفكرون في خوض هذه التجربة، فسيكون ردّ رئاسة الوزراء: هل تشعرون بأنكم محظوظون؟
إذا ساد هذا الرأي ومُنح ستارمر فرصة أخيرة، فلن يكون هناك ما يُذكر؛ حيث أن أنصار حزب العمال يعرفون مدى عدم شعبية زعيمهم، حتى وإن كانوا يجدون صعوبة في فهم ذلك تمامًا. ويثير ستارمر استياءً شعبيًا واسعًا فاجأ العديد من الناشطين خلال الأسابيع القليلة الماضية. وحتى منتقدوه يقرّون بأن عدم شعبيته غير المسبوقة تبدو مبالغًا فيها مقارنةً بأي شيء فعله بالفعل.
ورغم أن ستارمر متحدث سيئ للغاية، وبعض قراراته كارثية؛ كتقييد بدل وقود الشتاء وتعيين بيتر ماندلسون سفيرًا لدى الولايات المتحدة. وكما قال لي أحد الشخصيات العمالية: الأمر ليس كما لو أنه أشعل حربًا غير شرعية أو تسبب في انهيار الاقتصاد، لكنه مع ذلك مكروه بقدر ما كان توني بلير أو ليز تراس في مراحلهما الأخيرة.
سيُجادل ستارمر بأن هذا التحوّل ضروري للغاية، من أجل اقتصادنا وأمننا، وللوقوف إلى جانب جيراننا في عالم بات أكثر خطورة في ظل سياسات دونالد ترامب. وهذه هي الاستراتيجية الصحيحة للبلاد، وهي منطقية سياسيًّا أيضًا؛ حيث تُظهر استطلاعات الرأي أنه، باستثناء عدد متناقص من مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من حزب العمال، يُعدّ إلغاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أحد القضايا القليلة التي يتفق عليها معظم ناخبي حزب العمال، الذين يشهدون تشرذمًا كبيرًا الآن.
ولو كان الأمر بيدي لكانت هذه الخطوة لا تقتصر على تعديلات طفيفة على معايير الصحة النباتية وما شابه، بل تشمل وعدًا بالانضمام مجددًا إلى الاتحاد الجمركي أو حتى السوق الموحدة. كما يجب أن تكون خطوة كبيرة تناسب حجم اللحظة الراهنة، ولأنّ المأزق الذي يمرّ به حزب العمال الآن عميق جدًّا.
لذا، يدرك أصدقاء ستارمر أنه إذا مُنح هذه الفرصة، فستكون فرصته الأخيرة. ويدركون أيضاً أنه سيضطر لإعادة بناء رئاسته للوزراء، وأن التعديلات الطفيفة أو التعديل الوزاري المصغر لن تجدي نفعاً. ومن المقرر أن يلقي خطاباً هاماً يوم الاثنين، ويجب أن يكون كذلك. وبكل الأحوال لطالما رأيت أن إحدى الخطوات التي يجب عليه اتخاذها هي تجاه أوروبا، وذلك من خلال إخبار البلاد أن العالم قد تغير جذرياً منذ عام 2016، وأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أثبت أنه خطأ فادح ومكلف، وأن الوقت قد حان لإصلاح الضرر.
هذه هي الصورة الكلية التي قد يتم إغفالها بينما يُعزّي حزب العمال نفسه، على سبيل المثال، بفوزه على حزب الخضر في بعض أحياء لندن. ويجب أن تكون ويلز في قلب هذه الصورة، حيث تصدّر حزب العمال جميع الانتخابات منذ عام 1922 وحتى الآن، لكنه مُني بهزيمة ساحقة هناك، وانخفضت مقاعده إلى حفنة قليلة. وإلى جانبها، يجب أن تكون اسكتلندا، حيث استسلم حزب العمال منذ زمن طويل لخسارته مرة أخرى أمام الحزب الوطني الاسكتلندي الذي ظل في السلطة لمدة 19 عامًا متتالية.
وإذا ما نظرنا إلى هذه النتائج مجتمعة، فإنها تجسد ابتسامة نايجل فاراج الساخرة. انظروا إلى خريطة بريطانيا، لا إلى انتصارات الإصلاح في إنجلترا فحسب: بغض النظر عن النتائج النهائية، فإنّ قدرة الحزب على المنافسة على المركز الأول في ويلز والمركز الثاني في اسكتلندا يجب أن تُشكّل صدمة كبيرة.
إن الخطر الذي يواجه حزب العمال هو التوجه نحو اليمين لمجرد خسارة بعض المقاعد لصالح حزب الإصلاح. فسبب الخسارة لا يكمن بأن أنصار حزب العمال ينضمون إلى نايجل فاراج، بل بسبب انقسام أصوات اليسار التي يخسرها الحزب لصالح حزب الخضر والديمقراطيين الليبراليين وغيرهم. وهنا يجب أن يكون الحل مختلفاً.



