حرب بلا أفق

الحرب الأوكرانية التي بدأت يوم 24 فبراير (شباط) 2022، مرشحة للاستمرار لأشهر أو سنوات أخرى طالما أن الطرفين المتحاربين، روسيا وأوكرانيا، يقدمان شروطاً تعجيزية لوقف إطلاق النار والبدء في مفاوضات جديّة للتوصل إلى تسوية. ويزيد من صعوبة الاتفاق أن الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الأطلسي (الناتو) تعرقل كل الجهود المبذولة لتجسير المواقف المتضاربة بين موسكو وكييف، وكان دورهم السلبي في التعاطي مع الجهود الأمريكية في هذا الإطار السبب الرئيسي في انكفاء واشنطن عما بدأته من جهود للتوصل إلى حل، من خلال تشجيع كييف على عدم التنازل عن شروطها، ووعود بدعم عسكري متواصل إلى أن تتحقق هزيمة روسيا.
وتأتي زيارة أمين عام حلف الأطلسي مارك روته إلى كييف يوم أمس الأول، بعد ساعات على أعنف هجمات متبادلة بين روسيا وأوكرانيا طاولت منشآت للطاقة ومواقع عسكرية في مدينة بطرسبورغ في شمال روسيا، وإطلاق روسيا مئات المسيرات وعشرات الصواريخ على أوكرانيا، بمثابة رسالة من الحلف إلى موسكو، بأن دعم أوكرانيا سوف يتواصل، وأن هدف هزيمة روسيا لم يتبدل، خصوصاً أن روته وصل إلى كييف ومعه المشاركون في مجلس حلف شمال الأطلسي للمشاركة في اجتماع مجلس الناتو- أوكرانيا، الذي أكد التصميم على أن أمن أوكرانيا جزء من أمن أوروبا، وأن دعم كييف سيستمر، وقد أشار روته إلى ذلك بقوله: «إن الدول الأعضاء في حلف الناتو أنفقت بالفعل ما يقارب من 6 مليارات دولار على شراء أسلحة أمريكية إلى أوكرانيا»، وأردف: «إحدى طرق دعمنا لأوكرانيا هي من خلال برنامج قائمة احتياجات يقدم من خلاله حلف الناتو لأوكرانيا معدات أمريكية أساسية بتمويل من الحلفاء.. وسوف يستمر هذا الدعم».
إن هذا الإصرار الأوروبي على دعم أوكرانيا عسكرياً من خلال شراء أسلحة أمريكية، لأن مصانع السلاح الأوروبية غير قادرة على تلبية احتياجات أوكرانيا في الميدان دليل على أن أوروبا الأطلسية عاقدة العزم على استمرار الحرب ورفض أية تسوية، رغم أن أوكرانيا ليست عضواً في الحلف ولا تحظى عضويتها بالإجماع، ما يضع القارة الأوروبية أمام واقع جديد قد يتطور إلى مواجهة مع روسيا يتجاوز أوكرانيا، لذلك أكَّد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في وقت سابق أن أية شحنات أسلحة متجهة إلى أوكرانيا ستكون هدفاً مشروعاً لروسيا، وقال: «إن دول حلف الأطلسي تلعب بالنار بتزويدها كييف بالأسلحة»، وهذا يعني أن أي خطأ في الحسابات، أو سوء تقدير للموقف قد يجر القارة الأوروبية إلى أتون صراع مدمر قد يتجاوز جغرافية القارة.
لقد حذرت موسكو من إعادة عسكرة أوروبا، بما في ذلك تزويد أوكرانيا بأسلحة فتاكة، وأعلن رئيس الوفد الروسي إلى مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أندريه بيلوسوف أن «التسوية الموثوقة للحرب الأوكرانية تمر عبر تخلي جميع الدول الأعضاء في حلف الأطلسي عن السعي لإلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا والمساس بمصالحها الجوهرية».
لكن بما أن الدعم الأوروبي لكييف مستمر، والخطط الأوروبية لهزيمة روسيا لم تتغير، وجهود التسوية أمام حائط مسدود، فإن الحرب يبدو أنها بلا نهاية، وقد يتسع مداها.




