حدود الرهان المغربي على واشنطن وتل أبيب

محمد طيفوري – العربي الجديد:
بينما انشغل الرأي العام باستعراضات الحراك الانتخابي وتراشق قادة الأحزاب في أوج الحملة الانتخابية، كانت الهندسة السياسية الكبرى تطبخ بعيداً عن أضواء المسرح المحلي. ولم تلبث التفاصيل أن انكشفت عقب صدور البيان الثلاثي بين المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة في 16 سبتمبر/ أيلول الجاري، عن تسارع قياسي لقطار التحالف الاستراتيجي مع تل أبيب برعاية أميركية، حيث قضى الاتفاق برفع مستوى العلاقات إلى تمثيل دبلوماسي كامل، وتبادل السفراء، وتسيير للخطوط الجوية المباشرة، فضلاً عن حزمة من الاتفاقات الاقتصادية المتنوعة.
لم تكن هذه الخطوة مفاجئة بحد ذاتها؛ فرفعُ مستوى التمثيل الدبلوماسي كان بنداً ثابتاً في الاتفاق الثلاثي المُوقّع بالرباط، في ديسمبر/ كانون الأول 2020، واستؤنفت بموجبه العلاقات مقابل اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء، على اعتبار أن افتتاح مكاتب اتصال متبادلة تم، لأول مرة، عام 1994، عقب اتفاقات أوسلو، قبل تجميدها عام 2000، إثر اندلاع الانتفاضة الثانية.
ويطرح توقيت الإقدام على الخطوة علامات استفهام كبرى؛ فداخلياً، جاء التوجه الرسمي معاكساً للموقف الشعبي، فقد أظهرت نتائج “المؤشر العربي” أن نسبة الرافضين للاعتراف بإسرائيل 78% بين المغاربة. وخارجياً، تعيش دولة الاحتلال عزلة سياسية دولية ونفوراً غير مسبوقين، حيث جعلتها حرب الإبادة في غزّة منبوذة دوليا، وتوقف مسار “اتفاقات أبراهم” تماما بعد جرائم الكيان في فلسطين ولبنان، واعتداءاته الإقليمية.
حاولت بعض التفسيرات تأويل هذه الخطوة في سياق الانتخابات التشريعية، باعتبارها رسالة سياسية من المخزن إلى القوى الحزبية، وفي مقدّمتها حزب العدالة والتنمية الذي أفرد بنداً صريحاً لمناهضة التطبيع في برنامجه. لكن هذا التفسير يغفل طبيعة بنية السلطة، فالسياسة الخارجية لم تكن يوماً مدار تنافس حزبي، كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية (فرنسا، الولايات المتحدة…)، بل هي مجال محفوظ للمؤسسة الملكية؛ وما وقائع التاريخ القريب إلا إثبات لذلك، حيث وُقِّعت اتفاقية استئناف العلاقات في عهد حكومة العدالة والتنمية بقيادة سعد الدين العثماني.
يجد المغرب نفسه رهين دوامة متصلة من الضغوط والتنازلات المتلاحقة، أملاً في انتزاع تسوية نهائية تطوي ملف الصحراء بشكل قاطع
بعيداً عن حسابات الداخل، يُقرأ لقاء نيويورك بين وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، برعاية المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، في سياق الترتيبات الجارية لاجتماع مجلس الأمن المرتقب الشهر المقبل (أكتوبر/ تشرين الثاني) حول قضية الصحراء. يكتسي هذا التحرّك أهمية خاصة بالنظر إلى تعثر المساعي التي قادها المبعوث الأميركي، مسعد بولس، لإلزام الأطراف بتوقيع إطار للتسوية، والتجميد المفاجئ للقاءات المباشرة، ما فتح الباب أمام ضغوط دبلوماسية متزايدة على الرباط، لدفعها نحو تعميق التطبيع السياسي، باعتباره شرطا لضمان اندفاعة أميركية أكبر في المرحلة المقبلة.
هكذا يتجاوز القرار المغربي برفع مستوى العلاقات مع إسرائيل حدود الترتيبات الدبلوماسية الروتينية، ليكشف عن شبكة حسابات استراتيجية أوسع تتصل بالترتيبات المستقبلية للملف. فالرباط حرصت، وفق السردية الرسمية، على إدارة علاقاتها بقدر عالٍ من الحذر، حيث أبقتها في الحدود الدنيا منذ 2020، وحتى صدور قرار مجلس الأمن 2797؛ قبل أن تدفعها تحولات الملف إلى التقدم نحو مستويات أعلى، ترجيحاً لكفة التفاهمات الدبلوماسية مع واشنطن، بوصفها “حامل القلم” في هذا الملف.
تربط قراءة أخرى هذه الهرولة نحو تل أبيب بالتطورات الإقليمية، سيما تفاعلات التوتر الصامت بين المغرب وإسبانيا منذ أزمة سبتة، التي شَكّلت نكسة للأمن القومي الإسباني؛ وما تلاها من تصويت البرلمان الإسباني على تجنيس الصحراويين، ثم مساعي مدريد لنقل المواجهة مع الرباط إلى أروقة الاتحاد الأوروبي. في هذا السياق، يأتي قرار رفع التمثيل الدبلوماسي، سعياً إلى تكريس تحالف مغربي- إسرائيلي- أميركي، قادر على موازنة الثقل الإسباني المدعوم أوروبيا.
الرباط تُراهن على “شيك على بياض” في معادلة دولية متغيرة
مهما تكن الدوافع، يظلّ هذا الاندفاع نحو تعميق العلاقات بين الرباط وتل أبيب بمثابة هدية مجانية تُقدم لحكومة بنيامين نتنياهو، وتمنح الأخير ورقة انتخابية رابحة، في اقتراع 27 الشهر المقبل (أكتوبر/ تشرين الأول)، تصوّره القائد الأجدر بتحقيق الرخاء وانتزاع الاعتراف من الدول العربية من دون تقديم أي تنازلات في الملف الفلسطيني، ناهيك عن تسويقه حامياً لاستراتيجية توسيع النفود الإسرائيلي في شمال أفريقيا وغربها والمجال الأطلسي. كما يشكّل مكسباً للإدارة الأميركية في جهودها لتسويق الرئيس دونالد ترامب، المقبل على اختبار انتخابات التجديد النصفي، في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، باعتباره صانع السلام الأقدر على رعاية المصالح الإسرائيلية في العالم.
في المقابل، يجد المغرب نفسه رهين دوامة متصلة من الضغوط والتنازلات المتلاحقة، أملاً في انتزاع تسوية نهائية تطوي ملف الصحراء بشكل قاطع. فالواضح أن اندفاعة الدبلوماسية الأميركية التي أعقبت اتفاق استئناف العلاقات بين الطرفين، بهدف فرض واقع جيوسياسي جديد قد استنفدت بالفعل، وباتت بحاجة إلى جرعات تحفيزٍ إضافية، فالإجراءات الرمزية، كإعادة رسم الخرائط أو إطلاق التصريحات الدبلوماسية المتفرّقة، تظل قاصرة عن حسم أحد أطول النزاعات في أفريقيا، خصوصاً مع استمرار تبدّد الوعود التي رافقت لحظة توقيع اتفاقية عام 2020، وفي مقدمتها القنصلية الأميركية الموعودة في الصحراء.
يبدو جلياً أن الرباط تُراهن على “شيك على بياض” في معادلة دولية متغيرة، عبر تعميق التطبيع مع كيان يعيش أوج عزلته وأزماته، وأمام إدارة أميركية تُتقن ابتزاز المواقف واستنزاف التنازلات من دون تقديم ضمانات قطعية. الرهان على توظيف الورقة الإسرائيلية لحسم ملف الصحراء لن يؤدي فقط إلى اتساع الفجوة بين السلطة والشارع المغربي المتمسّك بوقف التطبيع، بل قد يُغرق الدبلوماسية المغربية في ارتهان دائم لضغوط واشنطن وتل أبيب، من دون أن يحقق الحسم النهائي المُبتغى.




