دول الخليج بعد التاسع من سبتمبر

كتبت مهرة سعيد المهيري, في الخليج:
لا يمكن أن تعبّر الكلمات عن هول ما شهدته الدوحة في الأيام الماضية ولا عن خطرها، فالهجمات الإسرائيلية لم تعد توقعات أو تهديدات بل أصبحت واقعاً عشناه ورأيناه بأعيننا، وماحصل في التاسع من سبتمبر الماضي خطر كبير ليس على أمن قطر وإنما على الأمن الخليجي والأمن العربي والإقليمي. وإن أردنا أن نعرف أو نفهم أهداف إسرائيل وماهي المسببات التي أدت إلى هذا الهجوم الجبان، فما علينا إلا أن نستذكر مافعلته في مختلف الدول التي استهدفتها قبل قطر، الأمر الذي يجعلنا نتأكد أن إسرائيل تنفذ ما تقول من دون الاكتراث لأمن الشعوب والأوطان ودون الوقوف عند الاتفاقيات أو المعاهدات، ففي وقت كانت فيه دولة قطر الشقيقة تسعى بكل ما لديها من قوة ودبلوماسية لإبرام اتفاقية لإيقاف الحرب الشعواء على قطاع غزة وبإشراف الولايات المتحدة وبعلم إسرائيل، قررت الأخيرة مهاجمة الاجتماع الذي يتم فيه مناقشة المقترح الأمريكي! الأمر الذي أدهش الجميع وجعل الجميع يتساءل عن السبب الذي دفع إسرائيل للهجوم على دولة قطر الشقيقة؟
لن أخوض في الإجابة عن هذا السؤال، لكنني ألفت الأنظار إلى مشهد مهم ولافت للجميع وهو التلاحم الذي شهدته قطر من أشقائها دول مجلس التعاون الخليجي وكذلك الدول العربية ودول الجوار في الشرق الأوسط وكذلك الدول الإسلامية، وهنا لا بد من التأكيد على أنه يجب الحفاظ على ما تبقى من السلام الإقليمي، فبعد انكشاف الكيد الإسرائيلي يجب التأكيد على رص الصفوف بين دول الخليج وشعوبها فلن ينفعها إلا تضامنها وتعاونها وترابطها بوجه كل ما من شأنهُ أن يزعزع استقرارها ويعطل مسيرة البناء والتنمية فيها، فما عانته بعض الدول العربية خلال السنوات الماضية ما يزال أمام أعيننا، فرأينا القتل والدمار والانهيار والتشريد والفقر والجهل الذي أصاب شعوب تلك الدول والثمن الباهظ الذي ما تزال تدفعه.
خلال أشهر قليلة فقط، وصلت المنطقة أكثر من مرة إلى حافة الحرب ثم ابتعدت عنها في اللحظة الأخيرة، والحقيقة أن الحروب الإسرائيلية ومغامرات المليشيات وأزمات المنطقة أعادت رسم الخريطة السياسية خلال عامين داميين، وفرضت واقعاً جديداً في المنطقة يختلف كلياً عما كانت عليه وواقع يتطلب التعامل معه مستقبلاً بطريقة مختلفة وبأدوات جديدة. والحقيقة الأخرى التي لا شك فيها أن المعاناة الإنسانية، وتداعيات الزلزال الجيوسياسي في المنطقة، لا تزال تتكشف تباعاً، فيما يغيب المشروع العربي الجامع القادر على بناء استقرار يحفظ السيادة والكرامة والمستقبل. وكأن الرسالة الموجهة لكل طرف في المنطقة هي أن ينشغل بمصيره وحده، بعيداً عن مشروع عربي مشترك.. وهذا ما أشار إليه الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة منذ أيام.
ورغم ذلك، تبقى الحقيقة الكبرى وهي أن لا أحد يريد للحرب أن تشتعل في المنطقة، فالتلاحم العربي والإسلامي ليس مجرد خيار، بل ضرورة وجودية، لأنه الأمل الوحيد لحماية المنطقة من الانزلاق نحو مزيد من التيه والدمار، الذي يستهدف الإنسان الخليجي والعربي على حد سواء.
يبدو أن ما يحيط بالمنطقة من مشاريع إقليمية متشابكة، يمنع قيام مشروع إقليمي رائد قادر على تحقيق التوازن وحماية شعوب المنطقة وثرواتها، وهنا تبرز الإمارات بموقفها الواضح فهي تقف ضد كل من يحاول المساس بشبر من الخليج العربي، أرضاً أو معنى، وترسل رسالة صريحة: «لا تجلبوا حروبكم إلى الخليج، ولا تجعلوا الأمن فيه مهدداً بلا جدوى»، فالمنطقة شهدت من الحروب ما يكفي، ولم تعد تحتمل المزيد.
الخطر في منطقتنا يتجلى في صورتين واضحتين، أولاهما خطر«مُعدٍ»، حين تتسلل الأفكار المتطرفة عبر الحدود، محمولةً بتنظيمات عابرة، ووسائل إعلام تقليدية ورقمية، تغذيها خطابات تحريضية ونيّات مبيتة. أما النوع الثاني فهو خطر «مُتنقّل»، يظهر عندما تجد الدول نفسها ملاصقة لبؤر اضطراب لا تلبث أن تنفجر، فتُصدّر إليها فوضى العنف والدمار.
أولئك القادمون من أصقاع الأرض، الباحثون عن وهم خلاصٍ زائف عبر القتل وترويع الآمنين، يمثلون الوجه الأكثر قسوة لتلك الأخطار، فهم يتخذون من الفوضى أرضاً خصبة، ومن معاناة الناس سبيلاً لتحقيق غاياتهم المريضة.
وفي المقابل، فإن الطمأنينة الأمنية التي تنعم بها دول الخليج اليوم تؤكد حقيقة جوهرية، أن الأمن الوطني لا ينفصل عن الأمن الإقليمي. فعندما تتكامل الجهود المحلية مع الرؤية الإقليمية، الأمنية والسياسية، يصبح الاستقرار ممكناً، ويصبح صون الأوطان وحماية شعوبها خياراً واقعياً لا مجرد شعار.
إن دول مجلس التعاون الخليجي ذات مصير مشترك والتضامن الخليجي يمثل دعامة أساسية لمواجهة أي محاولات لزعزعة الاستقرار في المنطقة وهذا ما شهدناه وعشناه في مختلف الظروف وآخرها الهجوم الغادر على قطر ويبذل قادة دول الخليج قصارى جهدهم لحماية أمن دولهم واستقرار أوطانهم وشعوبهم.ان الحفاظ على الأمن والأمان هي العمود الفقري للتنمية المستدامة والاستقرار الاجتماعي، وبفضل تلك الجهود يعيش المواطنون والمقيمون الطمأنينة التي تتيح لهم التركيز على بناء مستقبل مزدهر للأجيال القادمة في محيط ملتهب ومتفاقم بالحروب وفي بقعة جغرافية بالغة الحساسية، حفظ الله الأوطان وأعاد الأمن والأمان إلى كافة الشعوب العربية.




