تونس… من التفويض الشعبي إلى الغلبة

كتب المهدي مبروك, في العربي الجديد:
مرّت أكثر من سنة على انتخاب الرئيس قيس سعيّد في انتخاباتٍ لا تزال تثير تحفّظات كثيرة، تذهب حتى الطعن في شرعيتها ومشروعيتها، خصوصاً في ظلّ ما شهده المسار الانتخابي من عراقيل أحبطت كل مَن خامرته فكرة منافسة الرئيس. سُجن بعضٌ، وسُجن بعضٌ آخر بمقتضى “القانون”، في حين لا يزال بعضٌ تحت طائلة محاكمات جارية. وأصدرت المحكمة الإدارية، في غياب المحكمة الدستورية، أحكاماً طعنتْ في جلّ القرارات والتنقيحات التي أُجريت على القانون الانتخابي، ورغم ذلك لم تمتثل السلطة التنفيذية لهذه الأحكام، إلى أن وصل الرئيس إلى قصر قرطاج في ولاية ثانية تمتدّ خمس سنوات أخرى. وخلال مفتتح السنة الجارية، يكون الرئيس قد قضى في الحكم ما يزيد عن ستّ سنوات وأشهر.
الحضور الباهت لأنصار الرئيس في الشارع تقابله شراسةٌ غريبةٌ في شبكات التواصل الاجتماعي
كانت نسبة المشاركة في تلك الانتخابات ضعيفةً، إذ لم تتجاوز 25%، ما سبّب مرارةً لدى أنصار الرئيس، خصوصاً أن خصومهم يذكّرونهم دوماً بضعف المشاركة في كل المحطّات الانتخابية بشكل غير مسبوق، سواء كانت الاستشارة الوطنية أو الاستفتاء على الدستور أو الانتخابات التشريعية، وأخيراً الانتخابات الرئاسية في أكتوبر/ تشرين الأول 2024. وتتضاعف عقدة جمهور الرئيس حين يذكّرهم خصومهم بعجزهم عن حشد مظاهرات “محترمة”. لقد عجزوا منذ سنوات عن تعبئة أعداد قادرة على تسيير مظاهرة في كبرى شوارع العاصمة. هذا الحضور الباهت تقابله شراسةٌ غريبةٌ في شبكات التواصل الاجتماعي، التي تحضر فيها كتائب فتّاكة وجبّارة، ما يوحي للوهلة الأولى بجيوش إلكترونية حسنة التدريب، فائقة القدرة، ومنظّمة جيّداً. وهي قادرة على الفتك بأيّ مدوّن أو مستخدم لمختلف شبكات التواصل الاجتماعي ينتقد الرئيس.
لذلك، لم يصدّق أنصار الرئيس أنهم استطاعوا أخيراً أن يجمعوا، في الذكرى الخامسة عشرة لاندلاع أحداث الثورة، التي حوّلها الرئيس بموجب مرسوم رئاسي إلى ذكرى عيد الثورة عوضاً عن تاريخ 14 يناير/ كانون الثاني، ما يناهز ثلاثة آلاف، سُخّرت لهم مختلف آليات الدعاية، فضلاً عن إمكانات مادية ضخمة تولّت نقلهم من داخل مدن الجمهورية وقراها، حتى إن بعضهم تحدّث عن مخاوف من أن تكون أجهزة الدولة وإمكاناتها، علاوة على المجالس المحلية ومختلف أشكال “البناء القاعدي”، الذي أقره الرئيس، وراء هذه التعبئة.
ما إن انفضّت التظاهرة التي تجمّعت في شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة، حتى كانت تصريحات الرئيس معبّرةً عن انتشاء كبير ممّا رأى فيها؛ فهي “صفعةٌ قويةٌ وجّهها الشعب التونسي للخونة والمتآمرين”، وهو يقصد ضمناً المعارضة، التي ظلّت أكثر من أربعة أسابيع متتالية تتظاهر في شوارع العاصمة تنديداً بالاعتقالات التي طاولت معارضين عديدين، وصدور أحكام سجنية ثقيلة طاولت رموز المعارضة السياسية. كان الرئيس يصف هذه الظاهرة بالتفويض الشعبي، أي ما يشبه المبايعة له على السير إلى الأمام في تجسيد خياراته السياسية. وكان الرئيس يحتاج، على المستوى النفسي، ما يشبه هذه المظاهرة، في ظلّ الرسائل الكبيرة التي بثّتها تحرّكات المعارضة السياسية، رغم عللها بشأن المظالم العديدة وفقدان القضاء استقلاليته… إلخ.
ولم يفوّت الرئيس سعيّد في خطابه إلى التونسيين، بمناسبة حلول السنة المالية الجديدة، الفرصةَ للاحتفاء مرّة أخرى بما رآه تفويضاً شعبياً، والحال أن الديمقراطيات الحديثة، حتى الشعبوية منها، تستمدّ شرعيتها ومشروعيتها من الانتخابات، وليس من التفويض الشعبي. والحال أن هذا الأخير، علاوة على افتقاد أسسه الواقعية، إذ إننا لم نشاهد مسيرات مليونية أو مظاهرات مستمرّة أسبوعيّاً أو سنويّاً على غرار “جمعات الغضب” في عديد من الحراكات العربية… إلخ.
تستمد الديمقراطيات الحديثة، حتى الشعبوية منها، شرعيتها ومشروعيتها من الانتخابات، وليس من التفويض الشعبي
وجدت العقيدة الشعبوية التي ينتهجها الرئيس في تلك المسيرة اليتيمة حجّةً تسند توجّهاته السياسية، التي تمنحه سلطات واسعة باسم شعبه من دون منّة الانتخابات، التي تظلّ في اعتقاده بيروقراطية باردةً، في حين أن المظاهرات تعبّر عن حرارة الشعب وتجديد وقوفه مع القائد. تزهو القيادات الشعبوية وهي ترى أنصارها في الشوارع، خصوصاً في ظلّ خصوم لا يزالون، رغم اختلافاتهم وتشتّتهم، قادرين على تفنيد المزاعم التي يروّجها النظام. يقدّم النظام نفسه أنه انتقل إلى السرعة القصوى، وأن العلو الشاهق الذي بلغه يرشّحه لأن يكون قائداً للعالم بأسره.
حين توجّه الرئيس إلى شعبه بمناسبة رأس السنة ذكّرهم ببيت أحمد شوقي: “وما نيلُ المطالب بالتمنّي/ ولكن تُؤخذ الدنيا غلابا”… في الديمقراطية قد يفوز الرئيس وقد ينتصر، ولكن ها هي الغلبة تُضاف إلى التفويض الشعبي في الحالة التونسية… ولكن من هو المغلوب، يا تُرى؟




