رأي

ترامب: أطول خطاب وأكبر فجوة مع الواقع

محمد الصالحين الهوني – العرب:

ادعاء ترامب إنهاء ثماني حروب بينها غزة يفتقر إلى الدقة ويعكس رغبة في تسويق صورة زعيم عالمي أكثر من توصيف واقعي للنزاعات المعقدة.

حين صعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى منصة الكونغرس لإلقاء خطاب حالة الاتحاد، كان يدرك أن اللحظة ليست عادية. لم يكن الخطاب مجرد استعراض سنوي للإنجازات، بل محاولة حاسمة لإنقاذ رئاسته من دوامة التراجع في استطلاعات الرأي والانقسامات السياسية العميقة. استمر ترامب في إلقاء الخطاب نحو ساعة و48 دقيقة، محطما الرقم القياسي لأطول خطاب حالة اتحاد منذ بدء تسجيل هذه البيانات عام 1964، متجاوزا الرقم الذي سجله بيل كلينتون عام 2000. هذه الإطالة لم تكن مصادفة، بل عكست رغبة في إحكام السيطرة على المشهد السياسي والإعلامي، وإظهار حضور قوي في ظرف حرج تمر به رئاسته. أراد ترامب أن يثبت أنه ما زال قادرا على الإمساك بزمام المبادرة، وأنه ليس مجرد رئيس محاصر بالانتقادات والتحقيقات، بل قائد يملك رؤية شاملة للاقتصاد والسياسة والأمن.

من بين أكثر الادعاءات إثارة للجدل في خطاب ترامب، والتي كررها مؤخرا أمام أول اجتماع لمجلس السلام الذي أسسه، قوله إنه أنهى خلال الأشهر العشرة الأولى من ولايته ثماني حروب، بينها الحرب في غزة والنزاع بين إسرائيل وإيران، والهند وباكستان، وأرمينيا وأذربيجان، ورواندا والكونغو، وكمبوديا وتايلاند، ومصر وإثيوبيا، وصربيا وكوسوفو. هذا التصريح يطرح أسئلة جوهرية حول مدى واقعيته، خاصة مع الغياب الملحوظ للحرب الروسية – الأوكرانية من القائمة، وهي الحرب التي وعد ترامب بإنهائها “في يوم واحد” قبل أن يصف وعده لاحقا بأنه كان “على سبيل المزاح”. فالنزاعات في الشرق الأوسط، بما فيها غزة، لم تُحل بشكل نهائي، بل أعيدت صياغتها ضمن ترتيبات جديدة.

أطول خطاب حالة الاتحاد كشف تناقضات صارخة؛ بين ادعاءات ترامب بإنجازات اقتصادية وإنهاء حروب وبين تضخم وانقسام سياسي يثقل كاهل الأميركيين

في التاسع عشر من شباط – فبراير، أعلن ترامب انتهاء الحرب في غزة، كاشفا عن خطة إعمار ضخمة بقيمة 17 مليار دولار تتضمن نشر قوة دولية لتأمين الانتقال من الصراع إلى إعادة الإعمار. لكن المحللين والخبراء يحذرون من أن هذا الإعلان قد يكون سابقا لأوانه؛ فالاتفاق يترك قضايا جوهرية دون حل، مثل نزع سلاح حماس ومستقبل الحكم في القطاع، كما أن غياب تمثيل فلسطيني رسمي في مجلس السلام يثير تساؤلات حول مدى استدامة هذا “السلام”، بل إن منتقدين فلسطينيين يرون أن الخطة تهدف أساسا إلى إنقاذ إسرائيل وتفكيك المقاومة، لا إلى تحقيق سلام عادل. الحديث عن “إنهاء الحروب” يبدو أقرب إلى محاولة لتسويق صورة زعيم عالمي قادر على تحقيق السلام، مع تهميش دور الأمم المتحدة التي اتهمها ترامب بعدم مساعدته “في حرب واحدة”، أكثر منه توصيفا دقيقا لواقع جيوسياسي معقد ومتجذر لا يمكن إنهاؤه بقرار أميركي منفرد.

في الجزء الأول من خطابه، ركز ترامب على الاقتصاد، واصفا المرحلة بأنها “عصر ذهبي”. تحدث عن كبح جماح التضخم، وارتفاع سوق الأسهم إلى مستويات قياسية، وتخفيضات ضريبية شاملة، وخفض أسعار الأدوية. هذه النقاط صُممت لتمنح الجمهوريين دفعة معنوية قبل انتخابات التجديد النصفي، ولتظهر أن الإدارة الحالية تحقق ما وعدت به. لكن الواقع الاقتصادي أكثر تعقيدا، وتظهر البيانات الحديثة صورة مغايرة. المواطن الأميركي لا يشعر بتحسن حقيقي في قدرته الشرائية. أسعار المواد الغذائية لا تزال أعلى بكثير مما كانت عليه قبل سنوات. كما أن مكتب الميزانية بالكونغرس يحذر من تباطؤ النمو الاقتصادي مع توقع ارتفاع البطالة خلال 2026. والمفارقة الأكبر أن سياسات ترامب المتعلقة بالهجرة تساهم في إبطاء النمو السكاني وقوة العمل، مما يقوض النمو الاقتصادي طويل الأجل.

استطلاعات الرأي تؤكد هذه الفجوة بين الادعاءات والواقع؛ فاستطلاع سي.أن.أن الأخير أظهر أن 57 في المئة من الأميركيين يريدون من ترامب التركيز على الاقتصاد وتكاليف المعيشة، بينما لا تتجاوز نسبة الراضين عن أدائه الاقتصادي 36 في المئة فقط، بل إن ترامب أصبح “تحت الماء” بين الناخبين الذين يعتبرون تكلفة المعيشة أولويتهم القصوى، بفارق 14 نقطة مئوية، وهي نتيجة “غير مسبوقة تاريخيا” لحزب جمهوري كان تقليديا يتفوق في الملفات الاقتصادية.

التاريخ سيحكم على مدى صدقية هذه الادعاءات، لكن المؤكد أن انتخابات تشرين الثاني – نوفمبر المقبل لن تكون استفتاءً على طول الخطاب، بل على مدى قدرة هذه الادعاءات على تحسين حياة الناخب

الجمهوريون الذين يواجهون انتخابات التجديد النصفي كانوا بحاجة إلى دفعة، وترامب حاول أن يمنحهم إياها عبر التركيز على الاقتصاد والإنجازات المعلنة. كما حاول أن يظهر بمظهر الرئيس المنضبط، ملتزما بالنص المكتوب، متجنبا أسلوبه المعروف في الارتجال. لكنه لم يستطع إخفاء طبيعته الهجومية، فوجه انتقادات لاذعة للديمقراطيين، خاصة في ملف الهجرة، الذي شكّل محور حملته الانتخابية. وهنا أيضا، ينقلب الواقع على الرئيس؛ فاستطلاعات الرأي تظهر أن تأييده لسياسات الهجرة تراجع بشكل حاد.

وبينما كان ترامب يهاجم الديمقراطيين متهما إياهم بعدم تمويل الأمن الداخلي، كانت مشاهد المواجهات داخل القاعة تعكس انقساما عميقا: النائبة الديمقراطية إلهان عمر تصرخ في وجه الرئيس “لقد قتلت أميركيين!”، والنائب آل جرين يُقتاد خارج القاعة للعام الثاني على التوالي بعد رفعه لافتة احتجاج. هذا الاستقطاب الحاد، وتآكل شعبية ترامب حتى بين الفئات التي كانت تشكل قاعدته الصلبة، بالإضافة إلى تقدم الديمقراطيين بفارق 6 نقاط على المؤشر العام للانتخابات النصفية، كلها مؤشرات على أن خطابا واحدا، مهما طال، قد لا يكون كافيا لإنقاذ رئاسة تواجه اختبارا وجوديا في صناديق الاقتراع.

إذا أردنا تقييم خطاب ترامب بموضوعية، علينا أن نفصل بين ما هو إنجاز فعلي وما هو ادعاء سياسي. صحيح أن الاقتصاد الأميركي شهد بعض المؤشرات الإيجابية، وأن إدارة ترامب نجحت في بلورة ترتيبات جديدة في غزة حظيت بدعم إقليمي ودولي جزئي. لكن الادعاء بإنهاء ثماني حروب في عشرة أشهر يفتقر إلى الدقة، والواقع الاقتصادي لا يزال قاسيا على ملايين الأميركيين، والانقسام السياسي بلغ مستويات غير مسبوقة. خطاب حالة الاتحاد الأطول في التاريخ كان محاولة من ترامب لتثبيت سيناريو نجاح في مواجهة واقع معقد. أراد إقناع الأميركيين بأنه يقود “عصرا ذهبيا”، وأنهى الحروب، ورفع الاقتصاد. لكن البيانات والوقائع، من تقارير مكتب الميزانية إلى استطلاعات الرأي، تكشف أن هذه السردية ليست كاملة، وأنها تحمل الكثير من المبالغات. التاريخ سيحكم على مدى صدقية هذه الادعاءات، لكن المؤكد أن انتخابات تشرين الثاني – نوفمبر المقبل لن تكون استفتاءً على طول الخطاب، بل على مدى قدرة هذه الادعاءات على تحسين حياة الناخب العادي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى