رأي

تاجر الخوف ومشترو الحرب: قصة ترامب الشرق أوسطية

المشكلة الحقيقية في مزاعم ترامب الأخيرة ليست فقط أنها مبالغ فيها، بل لأنها تتعارض بشدة مع ما نعرفه فعلياً من تقارير الاستخبارات والتاريخ السياسي.

تيم هوبر – موقع Znetwork:

عاد دونالد ترامب إلى ذلك مرة أخرى، وأدلى بتصريح كبير ودرامي بطريقته التي لا يستطيع غيره فعلها، وادعى أنه لو لم تقصف الولايات المتحدة إيران، لكانت الأخيرة قصفت “إسرائيل” بقنبلة نووية.

في البداية، يبدو الأمر كأنه تحذير أمني خطير، لكن عندما تنظر عن قرب، تشعر كأنها إثارة خوف كلاسيكية، من النوع الذي تختزل فيه الحقائق المعقدة إلى قصة بسيطة على طريقة هوليوود، حيث تظهر أميركا هي البطلة، و”إسرائيل” هي الضحية العاجزة، وإيران هي الشريرة النهائية التي على وشك إطلاق نهاية العالم.

هذا النوع من السرديات ليس جديداً. على مدى عقود، اعتمد جزء كبير من سياسة واشنطن في “الشرق الأوسط” على تضخيم التهديدات الوجودية. وما يجعل ترامب مختلفاً ليس أنه يستخدم التخويف، فالكثير من السياسيين يفعلون ذلك، بل في المدى الذي يذهب إليه لتحقيق الأمر، حين يحول ذلك إلى دراما نهاية العالم الكاملة، ويستخدمها كسلاحه السياسي الأساسي.

والمشكلة الحقيقية في مزاعم ترامب الأخيرة ليست فقط أنها مبالغ فيها، بل لأنها تتعارض بشدة مع ما نعرفه فعلياً من تقارير الاستخبارات والتاريخ السياسي.

وإذا كانت إيران حقاً على وشك قصف “إسرائيل” نووياً، فلماذا قضت وكالات الاستخبارات الأميركية خلال العقدين المنصرمين تقول، إنه لا يوجد دليل قوي على أن إيران قررت حتى بناء سلاح نووي؟ وإذا كان التهديد ملحاً بهذا القدر، فلماذا قضت القوى العالمية سنوات في التفاوض على الاتفاق النووي لمراقبة وتقييد برنامج إيران؟ وإذا كان الأمر خطيراً حقاً، فلماذا سحب ترامب الولايات المتحدة من ذلك الاتفاق؟

هذه ليست مجرد تناقضات بسيطة، وهي مؤشر على نمط أعمق، حيث استخدام سياسة التهديدات، لكونها أسهل من تقديم أدلة قاطعة. فحين كان الاتفاق النووي سارياً، وصفه ترامب بعد أن مزقه بأنه “أسوأ صفقة في التاريخ”، فأصبحت الأزمة الناتجة من ذلك حاجة لأن يكون أكثر صلابة في التفاوض على اتفاق جديد. والآن، تُعاد صياغة الأزمة ذاتها في سردية ترامب: “لقد أنقذت العالم”.

طوال مسيرته المهنية، كان ترامب دائماً مسوقاً ماهراً أكثر من كونه مفكراً تقليدياً في السياسة الخارجية، وهو يعلم أن الخوف يمكن بيعه، وفي جو يسوده الخوف، يطرح الناس أسئلة أقل، ويتغاضون عن التناقضات، ويبحثون بيأس عن شخص قوي ليتبعوه. فكلما ضُخم حجم الخطر، بدا دور “المنقذ” أكبر.

وفي هذه اللعبة، يتحول الأمن إلى نوع من المنتج السياسي. وكلما كان التهديد أكثر إثارة للخوف، بدا العمل العسكري أكثر ضرورة. وكلما أُظهر العدو أكثر شراً، أصبح من الأسهل تبرير تكاليف الحرب، وكلما اقتربت الكارثة، أصبح من الأسهل أن تضع نفسك في موقع الشخص الوحيد القادر على إيقافها.

طوال مسيرته المهنية، كان ترامب دائماً مسوقاً ماهراً أكثر من كونه مفكراً تقليدياً في السياسة الخارجية

هذا الدليل لا يقتصر على إيران، فقد حدث في العراق مع نظام صدام حسين وأسلحة الدمار الشامل الوهمية، وفي أفغانستان كـ”حرب أبدية على الإرهاب”، أو ليبيا كخطر وشيك على المنطقة.

وفي كل حالة، ضُخم التهديد لتبرير التدخل، والنتيجة؟ المزيد من الفوضى، ودول منهارة، ودورات جديدة من العنف، وفقدان السلام والاستقرار.

والمفارقة المؤلمة هي أن العديد من “الأسباب” الحالية للتدخلات الجديدة كانت في الواقع من صنع أسباب سابقة. ومع ذلك، في قصة ترامب، أميركا دائماً هي رجل الإطفاء الذي يظهر بطلاً، وليس من ساعد على إشعال الحريق، وتبدأ السردية على نحو ملائم عندما يدخل ترامب إلى المشهد.

هذا النهج من السياسة يحمل مخاطر حقيقية على “الشرق الأوسط”، ويقتل مساحة الدبلوماسية؛ فبمجرد أن يصنف أي أحد على أنه وحش وجودي، يصبح الوصف ما يمنع التفاوض معه، ويعتبر ضعفاً. كما أن هذا الأسلوب يغذي سباق تسلح لا ينتهي لأجل الردع وتحت ضغط الشك. وربما الأسوأ من ذلك، أنه يمنع الناس من تقييم التكاليف الإنسانية والمالية الحقيقية للحرب بشفافية.

لقد دفع “الشرق الأوسط” بالفعل ثمناً فادحاً لهذه السياسات المحكومة بالخوف. والمنطقة تعرف أفضل من أي جهة أخرى كيف يمكن أن يتحول الكلام المروع إلى تكهن يحقق ذاته. ففي كل مرة يرسم فيها قائد صورة عن كارثة وشيكة، غالباً ما تجعل السياسات التالية تلك كارثة أكثر احتمالاً، مثل ادعاء ترامب بإنقاذ “إسرائيل” من التدمير النووي في هذا السياق، فالأمر لا يتعلق حقاً بما إذا كان هذا الزعم صحيحاً أم خاطئاً، بل بنهج كامل في السياسة الخارجية، وطريقة تفضل الإيماءات الدرامية والأساطير الشخصية على الدبلوماسية الصبورة والإدارة الحذرة للمخاطر.

لطالما لم يكن التاريخ لطيفاً جداً مع سرديات الإنقاذ. والقادة الذين يصورون أنفسهم كأبطال العالم، غالباً ما يتركون خلفهم فوضى أكبر بكثير من تلك التي ادعوا وقفها. ولقد شاهد “الشرق الأوسط” هذا الفيلم مرات كثيرة، من صناعة الوحش، إلى إعلان حالة طوارئ، وقصف شيء ما، ثم استخدام المشكلات الجديدة لتبرير الجولة التالية من الحرب.

في النهاية، السؤال الحقيقي ليس فقط عن إيران أو “إسرائيل”، بل يتعلق بما إذا كان الأمان الحقيقي يأتي من المبالغة في التهديدات وبيع الخوف، أم من إدارتها بصدق، فهل تحتاج المنطقة إلى المزيد من زاعمي الإنقاذ، أم تحتاج إلى قادة مستعدين للتوقف عن اعتبار الخوف عملاً سياسياً مربحاً؟

يمكن لترامب أن يستمر في إخبار العالم بأنه أنقذه، لكن بالنسبة إلى كثير من الناس في “الشرق الأوسط”، يمثل شيئاً أكثر ألفة، وهو نهج سياسي يولد وحوشاً، ثم يبيع الحماية منها. وفي هذه السوق، الخوف دائماً يجد مشترين، لكن من يدفع الثمن الحقيقي هم الأميركيون وشعوب المنطقة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى