
ريم هاني – الأخبار:
تعكس زيارة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى بكين، عمق التقارب الذي تشهده العلاقات الروسية – الصينية في ظلّ التوترات الدولية والحرب على إيران. ويأتي ذلك في سياق سعي البلدين إلى توسيع شراكتهما ومواجهة الضغوط الأميركية المتزايدة.
وصل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى بكين، مساء أمس، في زيارة دولة من المتوقّع أن تستمرّ حتى اليوم، ويلتقي خلالها نظيره الصيني، شي جين بينغ. والزيارة هذه تُعدّ الخامسة والعشرين للصين خلال أكثر من عقدين من رئاسة بوتين، وهي الفترة التي شهدت تعزيزاً للتعاون في مجالات التجارة والأمن والدبلوماسية بين الطرفَين، مدفوعاً، إلى حدّ كبير، بعدم الثقة المشترك بالولايات المتحدة، والتقارب الشخصي الواضح بين الرجلَين، اللذين التقيا أكثر من 40 مرّة حتى الآن. وتتزامن الرحلة، كذلك، مع الذكرى الثلاثين لتأسيس «الشراكة الاستراتيجية التنسيقية» بين الصين وروسيا، والذكرى الخامسة والعشرين لتوقيع «معاهدة حسن الجوار والتعاون الودّي»؛ وهي إذ تأتي بعد أيام معدودة من مغادرة ساكن البيت الأبيض الصين، نفى يوري أوشاكوف، مساعد بوتين، الإثنين، وجود أيّ صلة بين الأمرَين، مبيّناً أنه «تمّ الاتفاق على موعد الزيارة في أوائل شباط، بينما كان ترامب يعتزم، في الأصل، إتمام رحلته إلى بكين بين أواخر آذار وأوائل نيسان»، وأنه «لأسباب واضحة تتعلّق بالوضع الإيراني، تمّ تقديم الموعد إلى 13–15 أيار، أي قبل رحلتنا إلى الصين مباشرة».
وعلى الرغم من ذلك، لم تمتنع وسائل الإعلام الغربية عن الربط بين الزيارتَين، ولا سيما أنه نُظر، في أوساط المراقبين الغربيين، إلى زيارة ترامب التي سبقتها «توقّعات عالية»، على أنها جاءت «مخيبة للآمال»، بعدما لم يتمّ إحراز أيّ خرق كبير خلالها، سواء في مجال التجارة، أو الملفَّين الإيراني والأوكراني، واللذين رفضت الصين، على ما يبدو، تقديم «تنازلات» إزاءهما. وفي مساعٍ واضحة لتأكيد عمق العلاقة بين بكين وموسكو، وتصوير الأخيرتَين كركيزتَين للسلام والاستقرار، في خضمّ الحرب التي أشعلتها واشنطن في الشرق الأوسط، قال ساكن الكرملين، الثلاثاء، في رسالة سبقت الزيارة: «يسعدني أن أزور بكين مرّة أخرى بدعوة من صديقي العزيز منذ فترة طويلة، رئيس جمهورية الصين الشعبية، شي جين بينغ»، مؤكّداً أن «التجارة بين روسيا والصين تستمرّ في النمو، بعدما تجاوزت منذ فترة طويلة الـ200 مليار دولار أميركي»، مشيراً إلى أن التسويات المتبادلة «تتمّ بالكامل تقريباً بالروبل واليوان». كذلك، اعتبر بوتين أن «العلاقة الاستراتيجية الوثيقة بين روسيا والصين تؤدّي دوراً رئيساً في تحقيق الاستقرار على مستوى العالم. وإذ لا يستهدف تحالفنا أحداً، نحن نسعى إلى السلام والازدهار العالميَّيْن». كما أكّد أن العلاقات الروسية – الصينية وصلت إلى «مستوى غير مسبوق»، لافتاً إلى أن «الجانبَين يدعمان بعضهما في المسائل التي تؤثّر على المصالح الأساسية لكلا البلدين، بما في ذلك حماية السيادة ووحدة الدولة».
ترى بكين أن علاقتها بموسكو عميقة للغاية، بحيث لا يمكن لواشنطن قطعها بـ«مبادرات دبلوماسية»
من جهتها، لم تكتفِ بكين بالإشادة بالعلاقات الروسية – الصينية «التي لا تتزعزع في وضع دولي مضطرب»، على حدّ تعبير وسائل الإعلام الصينية، بل نشرت صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية المملوكة من الدولة، تقريراً جاء فيه أن المراقبين باتوا يؤكدون أن «العالم الآن يعتاد على توقيت الصين» منذ أواخر كانون الأول الماضي، وذلك عندما «مهّد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الطريق، ليزور بعده الزعماء الغربيون الصين في تتابع سريع، ما خلق موجة كبيرة من الدبلوماسية الرفيعة المستوى». وأشارت الصحيفة إلى أن «موجة» أخرى من الزيارات بدأت أخيراً، مع زيارة ترامب، ثمّ بوتين، فيما من المُقرّر أن يقوم رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، بدوره، برحلة قريبة. ونقلت «غلوبال تايمز» عن تشانغ هونغ، الباحث في «معهد الدراسات الروسية وأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى» في «الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية»، قوله: «إنه في ظلّ حالة عدم اليقين العالمية المتزايدة، أصبحت الصين واحداً من أهمّ مصادر الاستقرار واليقين للمجتمع الدولي. وسواء كان ذلك بين دول الجنوب العالمي أو القوى الكبرى التقليدية، فإن المزيد والمزيد من الدول تدرك على نحو متزايد أن التعامل مع الصين يعني اغتنام الفرص والاستقرار والنمو».
من جهتها، أشارت شبكة «سي أن أن» الأميركية إلى أن «شي يرحّب، في غضون أسبوع، بزعيمين عالميين يخوضان صراعات تبدو مستعصية، وهو ما ستعمل الصين على الاستفادة منه، في خضمّ الحرب مع إيران على وجه الخصوص، وذلك لتصوير نفسها كزعيم عالمي بديل مسؤول»، مضيفةً أن «بكين وموسكو عملتا أيضاً على الاستفادة من انقلاب ترامب على السياسة الخارجية الأميركية التقليدية لتعزيز رؤيتهما الخاصة لعالم لا تهيمن عليه القوة الأميركية أو نظام التحالف الذي تقوده واشنطن».
التوقّعات من الزيارة
خلال لقائهما اليوم، من المتوقّع أن يناقش الزعيمان التعاون الاقتصادي والتجاري، بحضور رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ. وبحسب مجلة «ذي إيكونوميست»، فإن شي وبوتين «سيشاركان، على الأغلب، مخاوفهما، وربما معلوماتهما الاستخبارية، بشأن مآثر ترامب العسكرية الأخيرة ضدّ فنزويلا وإيران». وإذ يدأب المحلّلون، في كلّ مرة يزور فيها رئيس أميركي الصين، على تسليط الضوء على ما يُعرف بـ«استراتيجية نيكسون العكسية»، في مؤشر على أن التقارب الروسي – الأميركي قد يُستخدم، في محطّة ما، لـ«احتواء الصين»، فإن شي سيحرص، خلال هذه الزيارة – بحسب الصحيفة -، على إثبات أن «أيّ استقرار محتمل في العلاقات مع واشنطن، لن يأتي على حساب شراكته التي باتت «بلا حدود» مع بوتين». حتى إنه من المتوقّع، إلى حدّ كبير، أن تنمو العلاقات الاقتصادية والعسكرية بين روسيا والصين بشكل أعمق، نتيجة للحرب الأميركية على إيران. وفي هذا الإطار، نقلت «ذي إيكونوميست» عن وو داهوي، الخبير الروسي في «جامعة تسينغهوا» في بكين، قوله في مؤتمر عُقد في أوائل أيار، إن «ترامب يريد بالفعل التحالف مع روسيا لاحتواء الصين، لكننا لم نقلق بشأن هذا الأمر قطّ»، مؤكّداً «أنه بعد إغلاق مضيق هرمز، أصبحت ميزة الصين في استيراد النفط والغاز من روسيا واضحة، وسنواصل توسيع هذه الواردات وزيادتها»، في ما يؤشّر على أن بكين ترى أن العلاقات الهيكلية والاقتصادية التي تربطها بموسكو عميقة للغاية، بحيث لا تستطيع واشنطن قطعها بـ«مبادرات دبلوماسية».
ومن بين المواضيع التي من المتوقّع أن يتمّ بحثها بين شي وبوتين، سيحتلّ مشروع «قوة سيبيريا 2»، وهو خطّ أنابيب يبلغ طوله 2,600 كيلومتر، لنقل ما يصل إلى 50 مليار متر مكعّب من الغاز سنوياً من شرق روسيا إلى شمال الصين عبر منغوليا، حيزاً كبيراً. وفيما يبدو الكرملين حريصاً على إطلاق المشروع لتأمين سوق جديدة للغاز الذي لم يعُد بإمكانه بيعه لأوروبا، لا تزال الصين أكثر حذراً، ولا سيما أنها متمسّكة بسياسة عدم الاعتماد على أيّ مورد واحد لتأمين أكثر من نحو 20% من وارداتها من الهيدروكربونات، وهو المستوى الذي وصلت إليه بالفعل مع روسيا. إلّا أن أحد الاستنتاجات الرئيسة التي توصّلت إليها «الجمهورية الشعبية» من الحرب على إيران، بحسب ألكسندر غابويف، مدير «مركز كارنيغي روسيا أوراسيا» في برلين، ، هو أن صراعاً جديداً يمكن أن يندلع في أيّ وقت، ويعرّض، بالتالي، جزءاً كبيراً من إمداداتها من الطاقة المنقولة بحراً للخطر. وعليه، أعرب غابويف عن اعتقاده بأن «الصين بدأت تميل على الأرجح، حالياً، نحو استيراد كميات أكبر براً»، مستبعداً في الوقت نفسه إمكانية التوصّل «إلى اتفاق نهائي» بشأن خطّ الأنابيب خلال زيارة بوتين، ومستدركاً بأن «الزخم أفضل من أيّ وقت مضى».




