الناتو: زواج مصلحة غير سعيد عمره سبعون عامًا

علي قاسم – العرب:
كلما تشاجرت أميركا وأوروبا على الفاتورة، كلما شعر بوتين بأنه ينتصر دون أن يطلق رصاصة واحدة.
أعضاء حلف الناتو مثلهم مثل مجموعة أصدقاء قرروا الذهاب إلى مطعم فاخر؛ قائمة الطعام مبهرة، الأجواء راقية، والنادل يبتلع ابتسامة ساخرة لأنه يعرف ما سيأتي.
بعد ساعات من الأكل والشرب والثرثرة عن الأيام الخوالي، تأتي لحظة الحقيقة، ليبدأ العرض الحقيقي: الولايات المتحدة، التي طلبت أغلى الأطباق، ترمي الفاتورة على الطاولة وتقول: “لقد دفعت أنا في المرات العشر السابقة، حان دوركم”. أوروبا، التي كانت مشغولة بطلب الحلويات والمقبلات، تتذمر: “لكنك أنت من أصر على هذا المطعم، وأنت من طلب الزجاجة الأغلى”. روسيا تجلس في الركن، تلتهم عشاءها بهدوء، وتضحك في سرّها. وأوكرانيا، النادل المسكين، تقف هناك منذ ثلاث سنوات، تحمل ماكينة الدفع الإلكتروني، وتتساءل: “هل سيدفع أحد في النهاية، أم أنني سأظل أنتظر إلى الأبد؟”
هذا، باختصار شديد، هو حلف شمال الأطلسي في القرن الحادي والعشرين. تحالف عسكري تأسس لمواجهة الاتحاد السوفيتي، لكنه تحوّل اليوم إلى نادٍ اجتماعي باهظ التكاليف، حيث العضوية فيه أقل ما يقال عنها إنها معقدة. المشكلة أن العدو القديم لم يعد موجودًا، والعدو الجديد (روسيا) ليس بالتهديد الوجودي الذي يبرر كل هذا الإنفاق. لكن لا أحد يريد أن يقول هذا بصوت عالٍ، لأن الاعتراف بذلك يعني التساؤل: لماذا لا نغلق النادي إذن؟ الجواب بسيط ومربك: لأن النادي أصبح عادة، ولأن إغلاقه سيكلف أكثر من بقائه، ولأن الأصدقاء يعرفون أنه بدون هذه الفاتورة، لن يجلسوا على نفس الطاولة مرة أخرى.
أميركا التي طلبت أغلى الأطباق ترمي الفاتورة على الطاولة وتقول: لقد دفعت عشر مرات سابقة، حان دوركم الآن، بينما أوروبا تتذمر وتجادل
لنبدأ من الحقيقة الاقتصادية الصارخة. أميركا تنفق حوالي ثلاثة ونصف بالمائة من ناتجها المحلي على الدفاع. ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، تنفق حوالي اثنين بالمائة (وهذا بعد ضغوط هائلة ووعود لم تُوفَ بالكامل). دول أوروبية أخرى، كإيطاليا وإسبانيا، تنفق أقل من ذلك بكثير. من منظار واشنطن، هذا غير عادل. أميركا تدافع عن أوروبا، وتتحمل عبء القواعد العسكرية، وتنشر حاملات الطائرات في البحار الباردة، بينما الأوروبيون يستثمرون أموالهم في الرعاية الصحية والإجازات الطويلة والبنية التحتية الجميلة. الرئيس ترامب قالها بجرأته المعهودة: “أوروبا تستغلنا مثل دمية”. كثيرون غضبوا من التصريح، لكن قلة هم من قالوا إنه كان مخطئًا. لأنه لم يكن مخطئًا، كان فقط فظًا. وهناك فرق كبير بين الخطأ والفظاظة.
لكن من منظار أوروبي، القصة مختلفة. الأوروبيون يرون أن أميركا تنفق هذا المبلغ الضخم ليس من باب الكرم، بل لأن لديها مصالحها الخاصة. القواعد الأميركية في أوروبا ليست مجرد هبة للقارة العجوز، بل هي نقاط انطلاق للنفوذ الأميركي في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. عندما تقصف أميركا هدفًا في ليبيا أو سوريا، غالبًا ما تستخدم قواعد في ألمانيا أو إيطاليا أو تركيا. عندما تريد واشنطن مراقبة روسيا، تستخدم منشآت في النرويج وبولندا ورومانيا. بعبارة أخرى، الإنفاق الأميركي على الدفاع في أوروبا ليس صدقة، بل استثمار في القوة العالمية. والأوروبيون، في نظرهم، يدفعون ثمنًا غير مباشر لهذا التواجد: فقدان جزء من سيادتهم، وتحول أراضيهم إلى أهداف محتملة في أي صراع أميركي–روسي.
وهنا تبرز السخرية الكبرى. بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط – فبراير 2022، هب الأوروبيون لنجدة كييف وكأنهم يستعدون لغزو روسي وشيك لأوروبا. أرسلوا الأسلحة، واستقبلوا الملايين من اللاجئين، وقطعوا اعتمادهم على الغاز الروسي بسرعة فاقت كل التوقعات. بدا الأمر وكأن الناتو قد وجد أخيرًا سببًا حقيقيًا للوجود. لكن بعد مرور ثلاث سنوات، بدأ الحماس يخفت. أوكرانيا لم تسقط، لكنها لم تنتصر أيضًا. روسيا لم تنهَر، لكنها لم تتقدم كثيرًا. الحرب تحولت إلى مستنقع، والأوروبيون بدأوا يتساءلون: كم ستدوم هذه الفاتورة؟ وهل من المعقول أن نستمر في دفعها إلى الأبد؟
في قمة الناتو الأخيرة، كان النقاش الرئيسي ليس حول كيفية تزويد أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى فقط، بل حول من سيدفع تكاليف هذه الصواريخ. أميركا تريد أوروبا أن تتحمل العبء الأكبر. أوروبا تريد أميركا أن تستمر في القيادة. الطرفان يتفقان على ضرورة دعم أوكرانيا، لكن لا أحد يتفق على من يفتح محفظته أولًا. هذا يشبه إلى حد كبير مجموعة أصدقاء يتفقون على ضرورة مساعدة صديقهم المحتاج، لكنهم يختلفون على من سيدفع إيجار شقته. الصديق المحتاج (أوكرانيا) ينظر إليهم بحسرة، ويعرف أن أي تأخير في الدفع يعني طرده من المنزل. لكن الأصدقاء منشغلون بالجدل حول العدالة التاريخية.
الناتو اليوم ليس تحالفًا عسكريًا بقدر ما هو زواج مصلحة غير سعيد؛ الجميع يتذمر، لا أحد يغادر، وروسيا تتفرج وأوكرانيا تنتظر السداد
الطريف في الأمر أن روسيا، العدو المفترض، تجلس على الطاولة المجاورة وتكتفي بالمراقبة. فلاديمير بوتين، الذي كان يراهن على انقسام الغرب، وجد في خلافات الناتو الداخلية ما يؤكد صحة رهانه. كلما تشاجرت أميركا وأوروبا على الفاتورة، كلما شعر بوتين بأنه ينتصر دون أن يطلق رصاصة واحدة. هو لا يحتاج إلى غزو دول البلطيق أو بولندا. كل ما يحتاجه هو أن يستمر الغرب في الخلاف حول من يدفع، حتى يتعبوا جميعًا ويقرروا أن أوكرانيا لا تستحق كل هذه المتاعب. هذه هي حرب الاستنزاف الحقيقية: ليس على الأرض، بل في غرف اجتماعات الناتو.
لكن ربما السؤال الأكثر إزعاجًا هو: لماذا لا تتحمل أوروبا المسؤولية كاملة؟ لماذا لا تبني جيشًا أوروبيًا موحدًا، وتنشئ قيادة عسكرية مستقلة، وتتوقف عن الاعتماد على أميركا؟ الجواب، كما هو الحال دائمًا، هو المال والسياسة. جيش أوروبي موحد سيكلف تريليونات اليوروهات. سيتطلب تنسيقًا سياسيًا لا تملكه أوروبا حاليًا. وسيتطلب من الدول الأوروبية أن تتنازل عن جزء من سيادتها لصالح مؤسسات أوروبية مشتركة. والأهم من ذلك، أن أميركا لن ترحب بهذه الفكرة. لأن جيشًا أوروبيًا مستقلاً يعني نهاية الهيمنة الأميركية على القارة العجوز. وهذا هو السر الذي لا يقوله أحد: أميركا تريد أوروبا أن تدفع أكثر، لكنها لا تريد أوروبا أن تصبح مستقلة حقًا. لأن الأوروبي المستقل هو أوروبي يصعب التحكم به. والأوروبي الذي يعتمد على أميركا في أمنه هو أوروبي مطيع.
وهكذا، يبقى الناتو في حالة جمود مريحة. الجميع يتذمر، لكن لا أحد يغادر. أميركا تتذمر من أن الأوروبيين لا يدفعون كفاية. والأوروبيون يتذمرون من أن أميركا تتحكم بالقرارات المصيرية. وروسيا تتفرج وتضحك. وأوكرانيا تنتظر سداد الفاتورة. هذا هو الناتو اليوم: ليس تحالفًا عسكريًا بقدر ما هو زواج مصلحة غير سعيد، حيث الطرفان يدركان أنهما عالقان معًا، لكن لا أحد يعترف بذلك. ربما الحل هو أن يقرر الجميع دفع الفاتورة بالتساوي، أو أن يغلقوا المطعم ويفتشوا عن مطعم آخر. لكن تغيير العادات صعب. وتغيير تحالفات عمرها سبعون عامًا أصعب. وفي النهاية، سيظل النادل واقفًا، وماكينة الدفع في يده، ينتظر. وقد ينتظر طويلًا.




