المغرب وإسبانيا.. بين إرث الماضي وفرص الجوار

د.إدريس لكريني – الخليج:
شهدت العلاقات المغربية – الإسبانية تطورات مهمة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، يعكسها حجم المعاملات الاقتصادية والتجارية بين الجانبين، فقد بلغ حجم هذه المبادلات ما يناهز 23 مليار يورو، فيما يعتبر المغرب بمثابة البوابة الرئيسية لإسبانيا باتجاه إفريقيا، حيث يستأثر بأكثر من خمسين في المئة من صادراتها باتجاه القارة السمراء.
وعلى الرغم من هذه المقومات التي تجمع الطرفين، إلا أن العلاقات بينهما تتخذ طابعاً من التعقيد، والمفارقة التي تجسدها الفرص المتاحة لإرساء شراكة استراتيجية بناء على القرب الجغرافي، وحجم المصالح المشتركة من جهة، وتراكمات تاريخية لم تحسم بعد، وأزمات متتالية تخلق حالات من الشك والحذر إزاء المستقبل من جهة أخرى.
استطاع البلدان تحويل الكثير من المحطات الصعبة والأزمات التي تفجرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، مثل أزمة جزيرة ليلى عام 2002، إلى فرص حقيقية لتعميق التعاون بصدد عدد من الملفات، كالهجرة ومكافحة الإرهاب وتعزيز الروابط، التجارية والاقتصادية، فيما أعلنت إسبانيا في عام 2022 أن مبادرة الحكم الذاتي التي طرحها المغرب تمثّل الأساس الأكثر جدية وواقعية وصدقية لحل نزاع الصحراء، وهي الخطوة التي خلفت ارتياحاً كبيراً داخل المغرب، وأتاحت عودة الدفء من جديد إلى العلاقات بين البلدين، بعودة سفيرة المغرب إلى إسبانيا، ليتعزز الأمر بزيارة رئيس الحكومة الإسبانية «بيدرو سانشيز» للمغرب، واستقباله من قبل الملك محمد السادس، حيث تم إرساء خريطة طريق لتشبيك العلاقات على مختلف الواجهات.
ويعد التنظيم المشترك لكأس العالم 2030 بين المغرب، وإسبانيا، والبرتغال بمثابة فرصة تاريخية لتعزيز هذا التعاون، بخاصة في ما يتعلق بإحياء مشروع نفق جبل طارق البحري بين المغرب (إفريقيا)، وإسبانيا (أوروبا). وقد أحدث عبور أكثر من 70 ألف شخص باتجاه سبتة المحتلة، خلال الأسابيع الماضية، أزمة في العلاقات بين الجانبين، أسهمت في إنعاش الخطابات، المتطرفة والتحريضية، ضد المهاجرين من لدن الأحزاب المعارضة بإسبانيا، (كالحزب الشعبي واليمين المتطرف).
وعلى الرغم من ذلك، ففي ظل هذه التطورات كشفت بعض التقارير عن وجود تنسيق وتبادل معلومات بين البلدين أفضت إلى إحباط عدد من الخطط التي كانت ترتب لاقتحامات جماعية للحدود.
لا شك في أن الأزمة الأخيرة أفرزت الكثير من المشكلات، بخاصة في ما يتعلق برفض المغرب، مجدداً، القيام بدور الدركي لحماية الحدود الجنوبية للاتحاد الأوربي بشكل عام، في مقابل الدعوة إلى إرساء تعاون جدي ومتوازن يستحضر الأبعاد الإنسانية للظاهرة، إلى جانب إشكالاتها الأمنية. لكن إسبانيا، ومعها البلدان الأوروبية، مقتنعة بجدية الجهود التي يبذلها المغرب في سياق التعامل مع ملف حساس كالهجرة، ولذلك، فهي تدرك أن حماية حدودها الجنوبية يمر بشكل أساسي عبر تمتين شراكاتها وعلاقاتها مع المغرب، غير أن هذا الأمر يتطلب الانتقال من مجرد الخطابات إلى بلورة جهود، مالية ولوجستية، في مستوى الإشكالات التي تثيرها شبكات الهجرة والاتجار بالبشر.
لقد استطاع البلدان، وبحكم العلاقات الاقتصادية والتجارية التي تجمعهما، أن يتجاوزا بحكمة ورزانة، الكثير من المحطات الصعبة التي تبرز من حين لآخر، غير أن هناك العديد من المشكلات التاريخية التي ترخي بظلال من الشك كل حين على العلاقات بين البلدين، ونشير في هذا الصدد إلى قضية الجزر الجعفرية وعدد من الجزر الأخرى مثل «بادس»، و«ليلى»، وسبتة ومليلية المحتلتين، اللتين لم يتوقف المغرب عن المطالبة بتحريرهما باعتبارهما جزءاً من ترابه.
لقد اعتبر المستشار الألماني ومؤسس «الرايخ الثاني» «بسمارك» قبل أكثر من قرن من الزمن، أن الجغرافية تظل هي العنصر الثابت في السياسة. ذلك أن الجوار في العلاقات الدولية لم يكن قط اختياراً، بقدر ما هو قدر يفرض التعامل معه بمنطق المصالح المشتركة والتحديات، مع استحضار المستقبل في هذا الصدد.
والحقيقة أن كسب الثقة بين الجانبين (المغربي والإسباني)، يبدأ من إرساء حوار استراتيجي شامل وفتح نقاشات بناءة تحوّل التراكمات التاريخية بتحدياتها، ومشتركها الحضاري، إلى فرص حقيقية لتحصين المستقبل، ولبناء سلام مستدام قادر على الصمود أكثر أمام كل التحديات والمخاطر المحتملة.



