المحاسبة على الإبادة الجماعية في غزة يجب ألا تقتصر على نتنياهو وحده

جيت هير – مجلة “The Nation” الأميركية:
يُعد نتنياهو المسؤول الأول عن الإبادة الجماعية في غزة، لكن التخلّص من رئيس سيئ واحد لن يحقق العدالة.
أدلت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون بتصريح مفاجئ يوم الخميس لمّحت فيه إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ربما سمح عن عمد بوقوع الهجوم الذي شنته حركة حماس في الـ 7 من تشرين الأول/ أكتوبر، وذلك بهدف تعزيز سلطته السياسية. وبالطبع، فإن التكهنات التي تصبّ في هذا الاتجاه ليست بالأمر الجديد، إلا أنه كان من اللافت أن تصدر هذه المزاعم عن شخصية قيادية دولية بارزة بحجم كلينتون، التي أطلقت تصريحها هذا خلال برنامج “مورنينغ جو” (Morning Joe).
واستشهدت كلينتون بما وصفته بالتقرير “المدوّي” نشرته هذا الأسبوع صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، يزعم أن نتنياهو تلقّى تحذيراً بشأن الهجوم الوشيك من الشيخ محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة وحليف “إسرائيل” الرئيسيّ في الشرق الأوسط، والذي تلقّت أجهزته هو الآخر معلومات استخبارية مسبقة من دبلوماسي موثوق وصاحب نفوذ عبر قناة خلفية. وقد وصف نتنياهو تقرير “هآرتس” بأنه كاذب وتعهّد بمقاضاة الصحيفة. وفي معرض تحليلها لتقرير “هآرتس”، قالت كلينتون: “إما أن نتنياهو لم يصدق الأمر، أو أنه ــ وعلى الرغم من بشاعة القول، أراد أن يرى ما يمكنهم التخطيط له، حتى يتسنى له بعد ذلك الرد بقسوة، بهدف تعزيز موقفه”.
يُعد نتنياهو المسؤول الأول عن الإبادة الجماعية في غزة، ولذا فمن الصعب أن نكون مجحفين بحقه؛ غير أن اتهام كلينتون في هذه الحالة تجاوز بكثير ما تبرّره الأدلة. فالمزاعم الواردة في تقرير صحيفة “هآرتس” بحد ذاتها تُمثّل إدانة كافية، ولا سيما عند قراءتها بالتزامن مع تقارير سابقة نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” حول التحذيرات التي تلقتها “إسرائيل” بشأن الهجوم الوشيك، ودور حكومة نتنياهو في ترسيخ حكم حركة حماس في قطاع غزة.
وتشكّل هذه التقارير مجتمعة صورة تعكس غطرسة إمبريالية؛ فعلى مدى عقود، أبقت “إسرائيل” قطاع غزة كأكبر سجن مفتوح في العالم. وقد تفاقم هذا الوضع وازدادت حدته بعد أن انسحبت “إسرائيل” صورياً من القطاع عام 2005، بينما أبقت عليه فعلياً تحت حصار خانق. أما حركة حماس، التي تأسست عام 1988 كمنظمة مسلحة، فقد رعتها “الحكومة” الإسرائيلية بانتهازية منذ أيامها الأولى، وذلك في إطار استراتيجية “فرّق تسُد” الرامية إلى إبقاء الفصائل الفلسطينية في حالة صراع داخلي دائم.
ومن وجهة النظر الإسرائيلية -التي لم تقتصر بأي حال من الأحوال على نتنياهو وحده- كانت حماس بمنزلة “مقاول ثانوي” مفيد وإن كان بغيضاً؛ إذ أمكنها -ولا سيما بعد استيلائها على السلطة في غزة عام 2007- أن تخدم “إسرائيل” عبر الاضطلاع بـ”المهام القذرة” المتمثلة في إدارة القطاع، في حين كانت “الدولة” العبرية تعمل على احتوائها من خلال حملات القصف وعمليات الاغتيال الدورية (وهي ممارسات أُطلق عليها تعبير ملطّف وهو “جزّ العشب”).
واستناداً إلى مقال نشرته صحيفة “هآرتس”، لم تكن جريمة نتنياهو الحقيقية تتمثل في تجاهل المؤشرات التحذيرية لهجوم الـ 7 من تشرين الأول/ أكتوبر، بل في توهّمه بإمكانية الحفاظ على الوضع الراهن في غزة إلى ما لا نهاية. فقد كان واثقاً من قدرته على السيطرة على حركة حماس في غزة، بل وكبح كل التطلعات الفلسطينية للحكم الذاتي. ونقلت عنه الصحيفة قوله: “نحن ممسكون بزمام الأمور في غزة ومسيطرون على الوضع، أما مشكلتنا فتكمن في الضفة الغربية، وهناك أيضاً نوجّه قواتنا”.
وقد دفع هذا الموقف نتنياهو إلى تجاهل مبادرات مهمة طرحتها حماس، سواء قبل الـ 7 من تشرين الأول/ أكتوبر أو بعده، بهدف التوصل إلى تسوية سياسية.
وفي مقال نشرته صحيفة “هآرتس”، يطرح مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) السابق، ويليام بيرنز، تحليلاً ذكياً يعتبر فيه أنّ المشكلة الأساسية تكمن في سعي حركة حماس للتوصل إلى “إنهاء دائم للصراع” -حسب تعبيرها-، في حين لم يكن نتنياهو مستعداً إلا للنظر في اتفاق يقتصر على “مرحلة أولى”، مع إصراره الدائم على الاحتفاظ بخيار “مواصلة تدمير حماس لاحقاً”، وفق توصيفه. وهذا هو التحدي الذي لطالما واجهناه: كيف يمكننا حل هذه المعضلة المستعصية والنجاح في إعادة الجميع إلى طاولة المفاوضات؟
وبعبارة أخرى، تكمن المشكلة الجوهرية في أن نتنياهو لا يُبدي أي استعداد، من حيث المبدأ، للتفاوض بشأن حل الدولتين. وهو ليس الوحيد في هذا الموقف؛ ففي الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة، لا يبدي زعيم المعارضة الرئيسي، غادي آيزنكوت، أي اهتمام بالتفاوض حول حل الدولتين في المدى القريب. وينطبق الأمر ذاته على المنافسين الرئيسيين الآخرين الساعين لخلافة نتنياهو، بمن فيهم رئيسا الوزراء السابقان نفتالي بينيت ويائير لابيد.
وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا التركيز على نتنياهو وحده؟ ينبغي النظر إلى تصريحات هيلاري كلينتون اللاذعة باعتبارها جزءاً من مسعى سياسي لتلميع الصورة؛ فكلينتون تُعرف بمواقفها المتشددة في السياسة الخارجية وتُعلي من شأن “إسرائيل” كحليف للولايات المتحدة. وهي تدرك أن الإبادة الجماعية في غزة جعلت التحالف الأميركي-الإسرائيلي غير مقبول شعبياً؛ ولهذا السبب تحاول توجيه الغضب نحو شخص واحد تصفه بالسيئ. والهدف من ذلك هو الإيحاء بأنه بمجرد إزاحة نتنياهو من المشهد، يمكن لهذا التحالف أن يعود إلى مساره الطبيعي؛ وهو ما عبّرت عنه كلينتون في برنامج “مورنينغ جو” (Morning Joe) بقولها: “أنا أحب إسرائيل، لكنني أكره حكومة نتنياهو”.




