القاهرة – أنقرة ومسار بناء التوازن الإقليمي

كتب د. خالد قنديل في صحيفة الأهرام.
في وقت يتجه فيه العالم على نحو متسارع نحو تعدد الأقطاب، وتتصاعد الحروب غير التقليدية والصراعات المسلحة، فإن مواجهة التحديات تشوبها الصعوبات إذا تصدت لها الدول بصورة منفردة، فكل دولة مهما امتلكت من مقومات القوة، بحاجة إلى علاقات قوية قائمة على التوافق في الحفاظ على مصالح الأوطان والشعوب، خصوصًا في ظل وتيرة التحولات الجيوسياسية الراهنة، من النزاعات الدولية الكبرى إلى الحروب بالوكالة والصراعات الاقتصادية ذات الإيقاع المتسارع، والتي تكشف هشاشة النظام الدولي القائم وعجزه عن توفير مظلة استقرار عادلة للجميع.
ومن هذا السياق الواضح للجميع تطفو على سطح الأحداث ضرورة التحالفات الإقليمية بوصفها واحدة من أهم أدوات وأسباب حماية الأمن القومي للدولة الواحدة ولمجموع الدول التي يضمها إقليم وتتقاطع مصالحها، فتسعى لصونها وبناء التوازنات القادرة على الحد من تغوّل تلك القوى، بل تفرض عليها نظرة احترام تقطع الطريق على أي تفكير في التهاون بحجم الدولة وتاريخها ومحاولات فرض الهيمنة على مقدرات شعوب المنطقة التي تضمها. بحيث تمثل العلاقات جزءًا من سياسة أشمل لدولة تعرف حجمها ومكانتها وقدرتها على التأثير مثل الدولة المصرية، التي يشهد لها الجميع الآن بالاتزان والرصانة والقوة والمرونة وإعلاء صوت السلام كخيار إستراتيجي لازم للجميع، أي سياسة ذات بصمة دامغة تؤثر ولا تتأثر، تفرض رؤيتها ولا يُفرض عليها، وتمد يدها لكل يدٍ تتفهم هذا القدر وهذا التأثير وهذه المكانة.
من هنا يمكن النظر إلى ملامح العلاقات المصرية التركية والمتوجة أخيرًا بزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، لتشكّل محطة مفصلية في مسار إعادة ترتيب العلاقات داخل الشرق الأوسط، في ظل تصاعد الأزمات، وتحوّل النظام الدولي إلى حالة سيولة إستراتيجية غير مسبوقة.
الزيارة لا يمكن قراءتها باعتبارها حدثًا ثنائيًا معزولًا، بل باعتبارها جزءًا من عملية أوسع لإعادة بناء شبكات التحالف والتوازن في منطقة باتت ساحة مفتوحة للتنافس الخارجي، حيث إن التحالف الإقليمي لم يعد ترفًا سياسيًا أو خيارًا تكتيكيًا مؤقتًا، بل بات ضرورة إستراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة، حيث يصبح التعاون بين دول الإقليم هو السبيل الأنجع لمواجهة الفوضى الدولية، وتحويل الجغرافيا من ساحة صراع إلى إطار للتكامل والاستقرار.
وهذه الزيارة تأتي تتويجًا لمسار طويل من التهدئة وإدارة الخلافات، بعد سنوات من التوتر السياسي الحاد الذي انعكس سلبًا على التعاون الإقليمي في ملفات شديدة الحساسية، مثل ليبيا وشرق المتوسط وملف الجماعات المسلحة، وعلى مدار سنوات فائتة، شهدت العلاقات المصرية التركية تطورات كبيرة، في العمل المشترك أو العلاقات الثنائية المتنامية في مجالات عدة كالتجارة والصناعة والاقتصاد والقطاع الخاص في البلدين، فضلًاعن بناء التوافقات الكبيرة بالقضايا الإقليمية والدولية، خصوصًا تلك التي تعد تحديًا للإقليم بأكمله، وتنذر بانعكاسات خطرة تضر بمصالح الدول.
وباسترجاع سريع للزيارات المتبادلة، فقد زار الرئيس السيسى تركيا بشكل رسمي في سبتمبر لعام 2024، وكانت زيارة تاريخية ومتوجة لمرحلة سبقتها من التعاون الاقتصادي والسياسي والتوافق والتنسيق، بينما كانت الزيارة الأولى والثانية لأردوغان في فبراير وديسمبر بالعام قبل الماضي، ثم زيارة أخرى في أكتوبر الماضي، إذ تواجد مع الرؤساء الذين حضروا قمة شرم الشيخ للسلام.
أما هذه الزيارة للقاهرة، والتي لا شك تأتي في توقيت مهم للغاية ودقيق، أولًا كتأكيد لمسار تصاعد البناء الإيجابي للعلاقات بين البلدين، وتضمنها ترأس الرئيسين الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى، فيما يشير إلى متن الحراك التعاوني الاقتصادي الذي شهد نموًا كبيرًا في حجم التبادل التجاري بنحو الذي بلغ نحو 9 مليارات دولار، وزيادة الصادرات المصرية إلى تركيا، وصادرات تركيا إلى مصر، وارتفاع الاستثمارات التركية في مصر إلى أكثر من 175 مليون دولار، حيث العديد من الشركات التركية التي تستثمر في مجالات متنوعة كالملابس الجاهزة والمنسوجات والجلود والكيماويات، باستثمارات تتجاوز الثلاثة مليارات دولار، وصولًا إلى الموقف الراهن الذي بلغ نحو 9 مليارات دولار، مع مناقشة سبل تعزيزها والعمل على رفع هذه القيمة إلى 15 مليارًا.
ولأن الاستقرار بمفهومه الشامل يتحقق بقطع أشواطه في المسارات المختلفة، فإن مظلة السياسة خصوصًا في ظل ما تشهده المنطقة من أزمات واضطرابات غير مسبوقة وتحديات مستمرة، لابد أن تبقى هذه المظلة على امتدادها الضامن لمناحي الاستقرار الأخرى، وقد جاءت الزيارة في ظل مشهد شديد التعقيد، حرب مستمرة في غزة وانعكاساتها على الأمن الإقليمي، انهيار الدولة في السودان، تعقّد الأزمة الليبية، واستمرار النزيف السوري، فضلًا عن تصاعد التوتر في البحر الأحمر وشرق المتوسط. في هذا السياق، يصبح التنسيق المصري التركي ضرورة إستراتيجية، لا خيارًا تكتيكيًا، خاصة أن البلدين يتشاركان مصالح مباشرة في أمن الملاحة، واستقرار الدول الوطنية، ومنع تفكك الإقليم إلى كيانات هشة تخضع لوصاية الخارج.
ومن هنا كانت تطورات الموقف في قطاع غزة حاضرة في محادثات الرئيسين، بعد نجاح الجهود المصرية مع الشركاء في التوصل إلى وقف إطلاق النار عبر اتفاق “شرم الشيخ”، وتأكيد أهمية تنفيذ الاتفاق بمراحله المختلفة، وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم “2803”، شاملًا إيصال المساعدات الإنسانية، وكان مهمًا وضروريًا التأكيد على الثوابت النابعة من الرؤية المصرية بحق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة، ووقف أي ممارسات أحادية بالأراضى المحتلة، ومنها انتهاك الوضع القانوني والتاريخي للمقدسات في “القدس”، والتوسعات الاستيطانية في الضفة الغربية.
والتوافق على الهدنة الإنسانية والمسار السياسي بالنسبة للسودان حفاظًا على وحدته وسلامته وسلامة مؤسسات الدولة، وكذلك تكثيف الجهود المشتركة لتحقيق الاستقرار في ليبيا، من حيث دعم المسار الأممى للتسوية، جنبًا إلى جنب مع الحل “الليبى – الليبى”، واحترام دور المؤسسات الوطنية. وأيضًا التأكيد على وحدة وسيادة سوريا، بما يعني أن المباحثات قد عكست هذا التقارب الواضح في الرؤى بين البلدين حيال أزمات المنطقة والعديد من القضايا الإقليمية والدولية، وليؤسس هذا اللقاء بين الرئيسين السيسي وأردوغان لتحول جديد نوعي وإيجابي في العلاقة، من منطق التنسيق البراجماتي القائم على المصالح.
فمصر، بوصفها دولة مركزية في النظام العربي وركيزة للاستقرار الإقليمي، وتركيا، بوصفها قوة إقليمية ذات امتدادات جيوسياسية عابرة للشرق الأوسط، تمتلكان معًا قدرة حقيقية على التأثير في مسارات أزمات المنطقة، شريطة وجود قنوات تفاهم واضحة ومستقرة، ولتقف العلاقات المصرية التركية اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة للانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الفعل الإستراتيجي، وتحويل التقارب السياسي إلى شراكات مؤسسية طويلة الأمد، تتجاوز الاعتبارات الظرفية والضغوط العابرة.
وإذا ما نجحت القاهرة وأنقرة، ومعهما عواصم إقليمية أخرى، في بلورة نموذج تعاون مستقل، فإن الشرق الأوسط قد يمتلك أخيرًا فرصة لإعادة صياغة موقعه في العالم، لا كمنطقة أزمات دائمة، بل كفاعل قادر على حماية مصالحه وصياغة مستقبله بيده.



