رأي

الفيتو الصيني والروسي والمصالح الخاصة

عمر بن داود – العرب:

التصويت كشف حقيقة التوازنات الدولية حيث استخدمت روسيا والصين الفيتو دعما لإيران، مفضلتين مصالحهما الاقتصادية والسياسية على استقرار الملاحة العالمية.

ما جرى داخل مجلس الأمن الدولي ليس مجرد تصويت عابر على مشروع قرار تقني يتعلق بحرية الملاحة، بل هو لحظة كاشفة تعرّي بوضوح طبيعة التوازنات الدولية، وتفضح -دون مواربة- حقيقة مواقف القوى الكبرى عندما تتقاطع المبادئ مع المصالح. فحين استخدمت كل من روسيا والصين حق النقض (الفيتو) لإسقاط مشروع قرار يدعو إلى تأمين حرية العبور في مضيق هرمز، لم تكونا تعارضان نصًا قانونيًا بقدر ما كانتا تعلنان اصطفافًا سياسيًا واضحًا إلى جانب إيران، ولو على حساب استقرار أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي.

من حيث الشكل، قد تحاول موسكو وبكين تبرير موقفهما بخطاب تقليدي حول “رفض عسكرة الممرات البحرية” أو “تفادي التصعيد”، لكن من حيث الجوهر، فإن هذا الفيتو لا يمكن قراءته إلا باعتباره ضوءًا أخضر غير مباشر لإيران للاستمرار في سياسة ليّ الذراع، واستخدام الجغرافيا كسلاح سياسي واقتصادي. فكيف يمكن تفسير معارضة قرار يهدف ببساطة إلى ضمان مرور السفن في ممر دولي؟ وأي منطق إستراتيجي يقبل بتحويل ممر حيوي كهرمز إلى ورقة ابتزاز إقليمي؟

إن الصين، التي طالما قدّمت نفسها كشريك اقتصادي موثوق لدول الخليج، أظهرت في هذه الواقعة وجهًا براغماتيًا باردًا، لا يعترف إلا بلغة المصلحة الضيقة. فبكين التي تغرق أسواق الخليج بمنتجاتها، وتستفيد من الطاقة القادمة من هذه المنطقة، لم تجد حرجًا في التخلي عن مبدأ حرية الملاحة -وهو مبدأ يخدمها بالدرجة الأولى- بمجرد أن ضمنت استمرار تدفق النفط إليها عبر تفاهماتها الخاصة مع طهران. لقد تصرفت كقوة انتهازية، تستفيد من الاستقرار عندما يكون مجانيًا، لكنها لا تدفع ثمنه عندما يُطلب منها موقف.

الصين التي طالما قدّمت نفسها كشريك اقتصادي موثوق لدول الخليج أظهرت في هذه الواقعة وجهًا براغماتيًا باردًا لا يعترف إلا بلغة المصلحة الضيقة

أما روسيا، فموقفها أكثر فجاجة ووضوحًا. فهي، بوصفها دولة منتجة ومصدّرة للطاقة، لا ترى في أي تعطيل محتمل لصادرات النفط الخليجية سوى فرصة لتعزيز موقعها في السوق العالمية. ومن ثم، فإن دعمها الضمني لإيران لا ينبع فقط من تحالف سياسي، بل أيضًا من حسابات اقتصادية بحتة. إن موسكو لا تمانع في أن يُخنق شريان الطاقة الخليجي، طالما أن ذلك ينعش رئتيها الاقتصاديتين.

الأخطر من ذلك، أن هذا التصويت يكشف وهم الرهان الخليجي على “توازن العلاقات” مع القوى الكبرى. فالدول لا تُكافئ الحياد، ولا تحترم إلا من يملك أوراق ضغط حقيقية. الصين وروسيا لا تنظران إلى دول الخليج كشركاء إستراتيجيين متكافئين، بل كسوق ومصدر طاقة يمكن الاستفادة منهما دون التزام سياسي أو أمني مقابل.

إن الرسالة التي يجب أن تُقرأ بوضوح من هذا المشهد هي أن العالم لا يُدار بالشعارات، بل بالمصالح الصلبة. ومن لا يملك أدوات التأثير، سيجد نفسه دائمًا في موقع المتفرج، حتى عندما يتعلق الأمر بأمنه المباشر.

وعليه، فإن على دول الخليج أن تعيد تقييم شبكة تحالفاتها، وأن تدرك أن ضمان أمن الممرات الحيوية -وفي مقدمتها مضيق هرمز- لا يمكن أن يُترك رهينة لمواقف متقلبة لقوى كبرى أثبتت أنها مستعدة للتضحية باستقرار المنطقة مقابل صفقات عابرة أو حسابات ظرفية.

لقد سقطت ورقة التوت، وبات واضحًا من هو الشريك الحقيقي، ومن هو التاجر الذي يبيع ويشتري في الأزمات. والتاريخ لا يرحم من لا يتعلم من لحظاته الفاصلة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى