رأي

العلاقات المصرية ــ الباكستانية

مصطفى الفقي – النهار:

إن كل محاولة لفهم طبيعة العلاقة المصرية الباكستانية تقتضى منا الرجوع إلى تاريخ نشأة دولة باكستان بعد الانفصال الكبير بين دول شبه القارة الهندية حيث ظهرت دولة باكستان عام 1947 ودولة بنجلاديش عقب حرب 1971 حيث تغيرت خريطة جنوب آسيا، لأن ظهور دولة باكستان منذ بدايته كان تعبيرًا عن إرادة مسلمى الهند أو أغلبهم على الأقل بأن تكون لهم دولة مستقلة بشّر بها ودعا إليها محمد على جناح أول رئيس للدولة كما باركها الشاعر العظيم محمد إقبال فى خطوط متقاطعة مع فلسفة غاندى وإرهاصات شاعر الهند العظيم رابندرانات طاغور. ولقد كانت مصر من البداية متعاونة مع دولتى الهند وباكستان على أسس من الصداقة القومية والتشابه فى الأعراق والتاريخ المشترك فى الكفاح من أجل الاستقلال وبناء الدولة الحديثة، ولقد عمل الدبلوماسى الباكستانى الشهير ظفر الله خان فى تعاون وثيق مع الوفد المصرى فى الأمم المتحدة حيث كانت الدولتان من أشد مناصرى حركات التحرر الوطنى والاستقلال السياسى، وقد حافظت مصر فى ذات الوقت على علاقات طيبة بالشطر الآخر من الدولة الهندية الكبرى، بل وربطت بمصر والهند علاقات وثيقة، ولم تكن علاقات القاهرة بأى من دلهى أو إسلام أباد على حساب الأخرى كما شاركت مصر والهند فى إنشاء حركة عدم الانحياز، وتأكيد سياسة الحياد الإيجابي. والجدير بالذكر أن هناك دولتين ولدتا فى نهاية أربعينيات القرن الماضى على أسس دينية هما باكستان وإسرائيل مع فارق كامل بينهما حيث قامت باكستان على أرضها بجذورها الضاربة فى أعماق التاريخ دون سرقة أرض الغير أو العدوان على الآخر، بينما إسرائيل دولة عدوانية مغتصبة لا ترى حقوق الغير أو معايير الشرعية، ولكن الأساس الدينى المشترك يبدو نظريًا على الأقل مستندًا إلى جوهر الدعوة الإسلامية فى حالة باكستان واليهودية فى حالة إسرائيل.

ولقد جاء على العلاقات المصرية الباكستانية حين من الدهر لم تكن فى أفضل أوضاعها بسبب انضواء باكستان تحت مظلة سياسة الأحلاف بشكل جعل إسلام أباد جزءًا من المنظومة الأمريكية المؤثرة فى جنوب آسيا فى وقت كانت فيه الهند على صلة وثيقة بالاتحاد السوفيتى السابق، وعندما حاولت باكستان اللحاق بركب المنظومة الإسلامية، والحصول على عضوية منظمة المؤتمر الإسلامى – أى منظمة التعاون الإسلامى حاليًا – باركت الدول الحق الباكستانى فى ذلك حتى سعت الهند التى تملك نسبة تزيد على 10% من المسلمين للانضمام هى الأخرى إذ إن مائة وخمسين مليون مسلم هندى لا يقلون فى إسلامهم عن أقرانهم ممن بقوا فى الأراضى الهندية بعد التقسيم، ولقد وازنت مصر بين علاقتها بكل من الهند وباكستان بحرص شديد ورغبة زائدة فى احترام سيادة كل منهما، وما زلت أتذكر أن الرئيس الراحل حسنى مبارك قد طلب زيارة باكستان والهند فى رحلة واحدة، وعندما تعذر ذلك على القيادة الهندية من حيث التوقيت ألغى الرئيس الراحل الزيارة بالكامل حرصًا منه على أن تتم لهما معًا دون تفرقة أو تمييز، فالعلاقات المصرية الباكستانية المتوازنة دائمًا تشبه نظيرتها بين القاهرة ودلهى رغم التحولات الضخمة التى طرأت على السياسة الخارجية الهندية بالعقود الأخيرة إلا أن مصر ظلت حريصة على علاقات ثابتة بدول المجموعة الهندية سابقًا فى جنوب آسيا.

ويهمنى أن أشير إلى الظرف التاريخى الحالى، والذى وضع باكستان فى بؤرة الأحداث وجعلها محورًا لنشاط دبلوماسى دولى فى إطار الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران فكانت إسلام أباد هى الملاذ للتواصل بين كل الأطراف فى ظل ظروف شديدة الحساسية بالغة التعقيد، ولقد وقفت مصر بثبات معتاد ودبلوماسية حكيمة سعيًا نحو وقف دائم لإطلاق النار، وتأكيد مستمر للرغبة فى سلام المنطقة والبعد بأطرافها عن أسباب النزاع وعوامل الصراع، ويجب أن نتذكر هنا أن كلًا من الهند وباكستان هى دولة نووية حازا ذلك السلاح الخطير فى فترة متقاربة تأكيدًا للسلام بالردع المتبادل والتوازن النووى المطلوب.

إننى أكتب اليوم عن باكستان التى لم أعمل بها دبلوماسيًا حيث اقتصر وجودى فى شبه القارة الهندية على الخدمة بالسفارة المصرية فى دلهى الهندية، وأنا أعترف هنا أن باكستان دولة صلبة عسكريًا ومحترمة دوليًا شأن نظيرتها دولة الهند على الجانب الآخر وتحتفظ باكستان بصلات تقليدية قوية مع المملكة العربية السعودية، وتحظى بدعم عسكرى مشترك بين الدولتين، خصوصًا فى مواجهة العربدة الإسرائيلية فى المنطقة والفوضى الإيرانية التى صنعتها ظاهرة تعدد الساحات الموالية لطهران على حساب الوجود العربى فى كثير من الأحيان..

إن مصر حريصة كل الحرص على علاقاتها المتوازنة مع دول غرب آسيا مدركة أن باكستان والهند هما أعمدة للتوازن مع دول الجوار.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى