الصين تعيد كتابة قواعد لعبة النفط

رون بوسو – العرب:
عقلية الحصن النفطي ربما يكون خط الدفاع الأقوى للصين – مخزونها النفطي الهائل – لم يُستخدم إلا بشكل محدود حتى الآن، مما يشير إلى أنها لا تزال تمتلك سيولة كبيرة.
فاجأت الصين قطاع النفط خلال الحرب الإيرانية، مستخدمةً نفوذها القوي لحماية نفسها من أكبر صدمة طاقة منذ عقود. في خضم ذلك، رسّخت مكانتها كقوة جديدة في أسواق الطاقة العالمية، قوة هائلة مستقلة وغير شفافة.
بلغت التدابير التي اتخذتها لمواجهة صدمة إمدادات الطاقة – من خفض حاد في واردات النفط الخام، وتقييد صادرات الوقود المكرر، والاعتماد على المخزونات المحلية – ذروتها في حملة استمرت عقودًا لتقليل اعتمادها الكبير على إمدادات الطاقة الخارجية.
هذا الأمر يلقي الضوء على كيفية تطور الأزمات المستقبلية. ونظرًا لافتقار العديد من خيارات بكين السياسية للشفافية، فإن إستراتيجية الصين الحازمة تُشير إلى مستقبل قد تُصبح فيه نقاط الضعف في سوق الطاقة أكثر أهمية من البيانات الظاهرة.
كما يُشير أيضًا إلى أننا قد ندخل حقبة تُصبح فيها ديناميكيات الطاقة الصينية سلاحًا – دفاعيًا وهجوميًا – لا نقطة ضعف.
قد لا تكون النتيجة الأكبر للحرب الإيرانية هي حدوث اضطراب كبير، لكن الكشف عن امتلاك الصين الآن للأدوات اللازمة لإدارة مثل هذه الصدمات، قد يُعيد تشكيل ليس فقط سوق النفط العالمي، بل موازين القوى العالمية أيضا.
لقد نأت الصين بنفسها عن معظم تقلبات الأسعار الحادة التي أعقبت اندلاع الحرب، وبعد إغلاق مضيق هرمز ارتفع سعر خام برنت من 72 دولارًا للبرميل إلى ذروة بلغت 118 دولارًا في أواخر مارس قبل أن يتراجع إلى مستويات ما قبل الحرب بحلول أوائل يوليو.
وقد ارتفع المؤشر العالمي مجددًا في الأيام الأخيرة مع انهيار الهدنة. ولكن مع ارتفاع الأسعار، توقفت بكين عن الشراء. وانخفضت شحنات يونيو بأكثر من 41 في المئة بمقارنة سنوية لتبلغ 7.12 مليون برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى لها منذ أكتوبر 2016، مما يُمثل استمرارًا للانخفاض الحاد المسجل في مايو، وفقًا لبيانات الجمارك.
وقد تبين أن حجم التباطؤ، الذي فاجأ العديد من التجار والمحللين، كان عاملًا حاسمًا سمح للاقتصاد العالمي باستيعاب خسارة أكثر من 13 مليون برميل يوميًا من صادرات الشرق الأوسط.
كان هذا التحول لافتًا للنظر بشكل خاص نظرًا لأهمية الصين في أسواق النفط العالمية. فقد استوردت رقمًا قياسيًا بلغ 11.55 مليون برميل يوميًا في 2025، أي نحو ثلثي إجمالي استهلاكها و16 في المئة من الطلب العالمي. هذا الاعتماد جعل إجراءات الصين هذه عرضةً بشدة لاضطرابات الإمدادات من دول الخليج.
في المقابل، دخلت بكين الأزمة وهي على أتم الاستعداد. ويعود ارتفاع وارداتها النفطية بنسبة 4.4 في المئة العام الماضي إلى حد كبير إلى حملة تخزين مكثفة، ما أدى إلى امتلاكها مخزونًا يُقدّر بنحو 1.3 إلى 1.5 مليار برميل، أي ما يعادل أكثر من 100 يوم من متوسط الواردات.
لكن خفض الواردات لم يكن سوى جزء من الإستراتيجية. ففي مارس، علّقت الصين أيضا صادرات المنتجات المكررة، بما في ذلك البنزين والديزل ووقود الطائرات، لضمان إمداد سوقها المحلي بشكل كافٍ. أثارت هذه الخطوة المثيرة للجدل قلق الدول الآسيوية، بما فيها أستراليا وبنغلاديش والفلبين، التي كانت تعاني بالفعل من نقص حاد في الوقود.
لوضع هذا الرقم في سياقه الصحيح، صدّرت بكين 800 ألف برميل يوميًا من الوقود في 2025، أي 12 في المئة من واردات آسيا من الوقود المكرر. خففت الحكومة القيود جزئيًا في يوليو، ما خفف الضغط على سوق الوقود في آسيا. ومع ذلك، أظهرت هذه التجربة مدى سرعة قدرة بكين على تقليص الإمدادات إذا ساءت الأوضاع مجددًا.
عقلية الحصن النفطي ربما يكون خط الدفاع الأقوى للصين – مخزونها النفطي الهائل – لم يُستخدم إلا بشكل محدود حتى الآن، مما يشير إلى أن بكين لا تزال تمتلك سيولة كبيرة.
لا تقدم بكين بيانات رسمية عن مستويات المخزون أو تحركاته، تاركةً للتجار وصناع السياسات مهمة تكوين الصورة عبر مؤشرات غير مباشرة. تشير حسابات رويترز، استنادًا إلى واردات الخام والإنتاج المحلي مطروحًا منه إنتاج المصافي، إلى انخفاض المخزونات بين أبريل ويونيو بمعدل متواضع نسبيًا يتراوح بين 500 ألف ومليون برميل يوميًا.
كان سحب المخزونات محدودًا لأن بكين اختارت بدلاً من ذلك خفض نشاط التكرير. انخفض إنتاج يونيو بنسبة 18 في المئة عن العام السابق ليصل إلى 12.5 مليون برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى له منذ ذروة الجائحة في مارس 2020. وبالتالي، لا تزال قدرة الصين على إطلاق مخزونات على نطاق أوسع بكثير غير مُختبرة إلى حد كبير.
قد ندخل حقبة تُصبح فيها ديناميكيات الطاقة الصينية سلاحًا – دفاعيًا وهجوميًا – لا نقطة ضعف
لكن أزمة هرمز أظهرت أن بكين تمتلك أداة قادرة على إعادة تشكيل موازين النفط العالمية بشكل ملموس. في الوقت نفسه، خفضت باستمرار الاعتماد على واردات النفط بتعزيز الإنتاج المحلي، الذي بلغ مستوى قياسياً قدره 4.3 مليون برميل يومياً العام الماضي. ويساهم التوسع السريع في استخدام السيارات الكهربائية في الحد من نمو الطلب، مما يقلل من الأهمية الإستراتيجية للخام.
تشير هذه الاتجاهات مجتمعةً إلى تحول جذري في دور الصين في منظومة الطاقة العالمية.. من متلقٍ للأسعار إلى صانع لها.
لعقود طويلة، نُظر إلى الصين في المقام الأول باعتبارها أكبر مصدر في العالم للطلب المتزايد على النفط، أي أنها متلقية للأسعار، ويتأثر استهلاكها إلى حد كبير بالظروف العالمية. إلا أن الأزمة الإيرانية أظهرت قدرتها على التأثير في هذه الظروف أيضاً.
قدرة الحكومة على تعديل الواردات والصادرات بسرعة، صعوداً وهبوطاً، حوّلتها فعلياً إلى صانعة للأسعار، وهو دور ارتبط تقليدياً بكبار المنتجين مثل أعضاء منظمة أوبك وروسيا، ومؤخراً الولايات المتحدة.
تتجاوز تداعيات ذلك النفط بكثير. فبإظهارها قدرتها على تجاوز صدمة كبيرة في الإمدادات، مع إعادة تشكيل تدفقات الوقود الإقليمية والعالمية، تشير الصين إلى أنها أقل اعتماداً على أسواق الطاقة الدولية. وهذا يمثل قطيعة جذرية مع حقبة الاعتماد المتبادل العميق في مجال الطاقة التي طبعت العقدين الماضيين.
بينما تُعد هذه المرونة ميزة واضحة لبكين، فإن علاقة طاقة أقل اعتماداً تفرز أيضاً احتكاكات جديدة. فمع ازدياد قدرتها على عزل نفسها عن الصدمات العالمية والتأثير في موازين السوق وفقاً لشروطها الخاصة، قد تتصاعد التوترات مع الولايات المتحدة وغيرها من كبار المستهلكين.
وبهذا المعنى، قد لا تكون النتيجة الأكبر للحرب الإيرانية هي حدوث اضطراب كبير، لكن الكشف عن امتلاك الصين الآن للأدوات اللازمة لإدارة مثل هذه الصدمات بمفردها إلى حد كبير، قد يُعيد تشكيل ليس فقط سوق النفط العالمي، بل موازين القوى العالمية أيضا.




