رأي

الشرق الأوسط… زمن التحلّل الخامس

كتب عبدالكريم سليمان العرجان في صحيفة العرب.

إنه زمن التحلّل الخامس؛ زمن لم تعد فيه الدولة وحدة صلبة بل كيانًا يتبخر أمام أعيننا والخيارات صادمة: ميلاد شرق أوسط جديد من الرماد أو انزلاق شامل للفوضى.

مع قرب نهاية أيلول/سبتمبر 2025، لا يمكن القول إن الشرق الأوسط يعيش أزمة عابرة. المنطقة دخلت طورًا لم يسبق أن عرفته، حيث لم تعد الجغرافيا وحدها تتصدع، بل فكرة الدولة نفسها. الضربة الأميركية–الإسرائيلية لإيران في حزيران/يونيو الماضي لم تُسقط فقط “قداسة الممانعة”، بل كشفت أن النظام الإقليمي الذي وُلد بعد 1979 قد انتهى دون رجعة. ما نشهده ليس مجرد فراغ سياسي، بل ميلاد شرق أوسط خامس، يولد من رماد المشروع الإيراني ومن ركام العواصم العربية المتهالكة.

إيران اليوم ليست سوى جثة إستراتيجية تصدّر ارتباكًا لحلفائها. حزب الله في لبنان يتآكل، والعراق يترنح بين إرث النجف الطامح للتحرر من طهران وخراب الميليشيات. الخليج، رغم فرحته بانكسار الهيمنة الإيرانية، يقف على حافة فراغ قد يكون أشد خطورة من بقاء طهران نفسها. السؤال المحوري: هل كانت إيران عدوًا، أم مجرد صمغ هشّ يحاول الإمساك بانفجار المنطقة؟

إسرائيل، المنتشية مؤقتًا، تواجه مأزقًا لا يقل خطورة. صحيح أنها تخلصت من خصمها الأخطر، لكنها اكتشفت أن السيطرة العسكرية تربح الوقت ولا تربح الهوية. القدس لم تعد مجرد ملف تفاوضي، بل أصبحت معيار عدالة دولية، سلاحًا يتجاوز الجغرافيا ويعيد تعريف القوى الإقليمية والعالمية.

هل القوى الإقليمية، بقيادة السعودية والأردن والإمارات، قادرة على تثبيت أركان الشرق الأوسط الخامس، أم أن المنطقة ستظل تتخبط في فراغ بلا جذور ولا سقف؟

الأردن هنا ليس مراقبًا صامتًا. خطاب الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة كان أكثر من كلمة؛ كان إعلان وجود بأن الوصاية على القدس ليست مجرد شرف معنوي، بل شرط لبقاء النظام الدولي. عمّان لم تعد مجرد عاصمة، بل أصبحت غرفة عمليات سياسية في زمن انهيار الخرائط، صوتًا يربط بين العدالة وبقاء العالم.

في سوريا، انتقال السلطة إلى أحمد الشرع لم يكن بداية استقرار، بل بداية فصل جديد في تفكك طويل. الجنوب ينزلق نحو مشروع دويلة درزية، البدو يفرضون حضورهم كأوائل الداخلين إلى المعركة، والشمال يبتلع نفسه بين تركيا والأكراد.

هل يستطيع أحمد الشرع، مع كل هذه التحديات، تثبيت أركان سوريا وإعادة تشكيل الدولة، أم أن البلاد ستظل لوحة موزاييك بلا إطار، تبتلع نفسها في صراعاتها الداخلية والإقليمية؟

تركيا تسابق الزمن لتملأ فراغ إيران، بينما السعودية لا تكتفي بالمراقبة؛ فهي الركيزة الحقيقية لاستقرار الإقليم، القادرة على ملء الفراغ الذي خلفته طهران، وتوجيه الصراعات والفرص بما يحافظ على التوازن أكثر من أي قوة أخرى. أوروبا، من باريس إلى برلين، ترى في هذه الدينامية مرآتها السوداء: لاجئون بلا نهاية، طاقة متقلّبة، إرهاب يتكاثر في فراغ الدول. بالنسبة للغرب، الشرق الأوسط لم يعد مجرد أزمة خارجية، بل إنذارًا لوجودهما ذاته.

هل القوى الإقليمية، بقيادة السعودية والأردن والإمارات، قادرة على تثبيت أركان الشرق الأوسط الخامس، أم أن المنطقة ستظل تتخبط في فراغ بلا جذور ولا سقف؟

إنه زمن التحلّل الخامس؛ زمن لم تعد فيه الدولة وحدة سياسية صلبة، بل كيانًا يتبخر أمام أعيننا. والخيارات أمامنا ثنائية وصادمة: إمّا ميلاد شرق أوسط جديد يولد من تحت الرماد، أو انزلاق المنطقة كلها إلى غابة عالمية بلا جذور ولا سقف. القوى الكبرى لم تعد تملك رفاهية الانتظار، وكل حركة، حتى الأصغر منها، قد تحدد شكل العالم المقبل.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى