رأي

الشرع مخاطبًا الأوروبيين: سوريا بلد شريك لا مستجير

علي قاسم – العرب:

سوريا اختارت — على لسان رئيسها — أن تكون جسراً لا ساحة. القرار الآن على أوروبا: هل ستعبر هذا الجسر بجرأة أم ستقف على حافته تتأمل؟

حين وقف أحمد الشرع في نيقوسيا أمام قادة الاتحاد الأوروبي وشركائهم الإقليميين، لم يكن يُلقي خطاباً دبلوماسياً عادياً، بل كان يُقدّم عرضاً استراتيجياً نادراً: بلد خارج لتوه من عقود الحرب والاستبداد، يطرح نفسه شريكاً لا مستجيراً. العبارة التي اختارها الشرع بعناية — “الجغرافيا قدرنا والشراكة قرارنا” — تنطوي على وعي حاد بما تملكه سوريا وما تحتاجه في آنٍ واحد. والسؤال الذي يستحق التأمل العميق هو: هل أوروبا مستعدة فعلاً لاغتنام هذه اللحظة، أم أنها ستتركها تمر كما أضاعت لحظات مشابهة من قبل؟

السياق الذي عُقدت فيه قمة نيقوسيا ليس ثانوياً، بل هو جوهر الفهم. أزمة الطاقة الحادة التي تعانيها أوروبا جراء اضطراب حركة المرور في مضيق هرمز وضعت القارة العجوز في مواجهة حقيقة كانت تتجنب استيعابها منذ سنوات: إن هشاشة أمن الطاقة الأوروبي لا تُعالَج بالتنويع بين موردين روسيين وخليجيين، بل بإعادة تصور كامل لخرائط الإمداد والممرات الجيوسياسية.

وسوريا، التي تقع في قلب المنطقة الفاصلة بين الخليج وآسيا الوسطى وأوروبا، تجد نفسها فجأة في موقع لم تكن تحتله من قبل: ليست عبئاً إنسانياً تُدير أوروبا ملف لاجئيه بقلق، بل ورقة جيوسياسية قد تُغيّر معادلات الطاقة والتجارة على المدى البعيد.

الرهان الذي يُقدّمه الشرع هو تحويل الحاجة إلى نفوذ: أنتم تحتاجون ممراً آمناً ونحن نملك الجغرافيا. لا استجداء هنا بل تبادل للمصالح بلغة من يعرف ثقل ما يجلس عليه

مبادرة “البحار الأربعة وممراتها التسعة” التي أعلن الشرع عن طرحها بتصرف الشركاء الأوروبيين والخليجيين تمثّل في جوهرها رؤية من يعرف أن سوريا لا تستطيع الانتظار طويلاً. فالبلد الذي دمّرت حروبه أكثر من نصف بنيته التحتية، والذي يحتاج إلى مئات المليارات لإعادة الإعمار، لا يملك ترف التفاوض البطيء. لكن الرهان الذكي الذي يُقدّمه الشرع هو تحويل الحاجة إلى نفوذ: أنتم تحتاجون ممراً آمناً بديلاً عن هرمز المضطرب، ونحن نملك الجغرافيا التي تتيح ذلك. لا استجداء هنا، بل تبادل للمصالح بلغة من يعرف ثقل ما يجلس عليه.

غير أن ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً ويمنعه من أن يكون خطاً مستقيماً نحو الشراكة هو المتغير الإسرائيلي. فخلال الأشهر التي أعقبت سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، لم تكتفِ إسرائيل بإعلان انهيار اتفاقية فصل القوات المبرمة منذ 1974، بل احتلت المنطقة العازلة ونفّذت غارات جوية متكررة طالت مواقع عسكرية ومدنيين على حدٍّ سواء. ما يجري ليس ردود فعل استثنائية بل سياسة ممنهجة تقوم على مبدأ واضح: منع أي حكومة سورية مهما كانت طبيعتها من تعزيز قدراتها العسكرية أو تحقيق الاستقرار الإقليمي بمعزل عن الإملاءات الإسرائيلية.

الشرع وضع الاتحاد الأوروبي أمام مسؤوليته بصراحة نادرة في الخطاب الدبلوماسي: “التزام شركائنا الأوروبيين بأمن سوريا واستقرارها يقتضي موقفاً حازماً يُلزم إسرائيل بوقف الاعتداءات فوراً”. هذه الجملة تُحرج أوروبا لأنها تضعها أمام اختيار لا تُحبّه: إما أن تُترجم شراكتها المُعلنة مع دمشق إلى ضغط سياسي فعلي على تل أبيب، وإما أن تبقى تلك الشراكة في حدود البيانات الدافئة والتصريحات المبهمة. وأوروبا، بتاريخها في هذا الملف، تميل تقليدياً نحو الخيار الثاني حين يتعلق الأمر بإسرائيل. لكن الظرف الراهن يختلف: أزمة الطاقة تضغط على العواصم الأوروبية بما يكفي لإجبارها على مراجعة حساباتها، وسوريا مستقرة نسبياً في ظل حكومة جديدة تتحدث لغة الشراكة لا الصدام. هذا التقاطع النادر قد لا يتكرر

حين يُقدّم الشرع سوريا على أنها “الشريان البديل والآمن الذي يربط آسيا الوسطى والخليج بقلب القارة الأوروبية”، فإنه لا يبالغ جغرافياً. الخريطة تؤيده. لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع ممرات طاقة وتجارة فاعلة؛ ما يصنعها هو الاستقرار الأمني والاستثمار في البنية التحتية والإطار القانوني الذي يجعل تدفق البضائع والطاقة عبر الأراضي السورية خياراً موثوقاً لا مجازفة محفوفة بالمخاطر. وهذا بالضبط ما تستطيع أوروبا تقديمه: لا غنائم عسكرية ولا ادعاءات نفوذ مباشر، بل دعم مؤسسي واستثماري وضغط دبلوماسي يوفر للحكومة السورية الجديدة البيئة التي تحتاجها لترسيخ وجودها.

حين يُقدّم الشرع سوريا على أنها “الشريان البديل والآمن الذي يربط آسيا الوسطى والخليج بقلب القارة الأوروبية”، فإنه لا يبالغ جغرافياً. الخريطة تؤيده.

اللافت في خطاب الشرع أنه تجنّب بمهارة الوقوع في فخ التموضع الأحادي. لم يتحدث عن محور إقليمي يواجه محوراً آخر، ولم يُقدّم سوريا باعتبارها ورقة في يد طرف بعينه. بدلاً من ذلك، قدّم رؤية متعددة الأطراف تضع سوريا في مركز شبكة من الشراكات: مع أوروبا في ملفي الطاقة والهجرة، ومع الخليج في ملف الإعمار والاستثمار، ومع تركيا وآسيا الوسطى في ملف ممرات التجارة. هذا النهج متعدد الأوجه ينمّ عن وعي استراتيجي يتجاوز ما هو متوقع من دبلوماسية ما بعد الأزمة. لكنه في الوقت ذاته يُخفي رهاناً محفوفاً بالخطر: أن تحافظ دمشق على توازن دقيق بين أطراف كثيرة لا تتقاطع مصالحها دائماً، وأن تصمد حكومتها الوليدة أمام ضغوط داخلية وإقليمية متشعبة قبل أن تنضج ثمار هذه الشراكات.

قمة نيقوسيا ليست نهاية مسار بل بداية اختبار. الحادي عشر من أيار -مايو المقبل في بروكسل، حيث سيُدشَّن الحوار السياسي السوري الأوروبي رفيع المستوى، سيكشف ما إذا كانت الضجة الدبلوماسية في نيقوسيا ستتحول إلى التزامات قابلة للقياس. وثمة معايير محددة يمكن على ضوئها الحكم: هل ستُرفع العقوبات الأوروبية المتبقية عن سوريا بوتيرة تتناسب مع حجم ما تحتاجه إعادة الإعمار؟ هل سيتحول الدعم الإنساني إلى استثمار في البنية التحتية؟ وهل ستجرؤ بروكسل على ربط شراكتها مع دمشق بضغط حقيقي لوقف الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية؟

التاريخ يُعلّم أن أوروبا تُتقن كتابة إعلانات الشراكة أكثر مما تُتقن تنفيذها. وسوريا ليست البلد الأول الذي يسمع كلاماً دافئاً في قاعات القمم ثم ينتظر طويلاً لرؤية ترجمته الفعلية. لكن الظرف هذه المرة مختلف في تفصيلة واحدة جوهرية: أوروبا تتألم اقتصادياً من أزمة طاقة تحتاج حلاً هيكلياً لا ترقيعاً مؤقتاً، وسوريا الجديدة تطرح نفسها جزءاً من ذلك الحل. حين يتقاطع ألم الطرف الأقوى مع عرض الطرف الأضعف، تتغير موازين التفاوض بصورة جذرية. هذا ما يُدركه الشرع جيداً، وهذا ما ينبغي أن تُدركه أوروبا قبل أن تفوت عليها فرصة نادرة تقدمها الجغرافيا مرة كل جيل.

سوريا اختارت — على لسان رئيسها — أن تكون جسراً لا ساحة. القرار الآن على أوروبا: هل ستعبر هذا الجسر بجرأة، أم ستقف على حافته تتأمل؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى