خاصأبرزرأي

“الراية الأوروبية” بديل “القبعة الزرقاء” في الجنوب

حسين زلغوط, خاص ـ “رأي سياسي”:

مع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” في نهاية عام 2026، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، في ظل محاولات دولية لإعادة صياغة شكل الوجود الخارجي على الحدود اللبنانية الجنوبية.

وبينما يُطرح الملف تحت عنوان منع حدوث فراغ أمني، فإن طبيعة البديل المقترح تفتح الباب أمام تساؤلات حول الأهداف الحقيقية لهذه الترتيبات وحدود الدور الأوروبي المقبل.

المبادرة الأبرز جاءت من ألمانيا، حيث طرح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول فكرة تشكيل قوة أوروبية تعمل بتفويض من الاتحاد الأوروبي بعد انتهاء مهمة “اليونيفيل”، بهدف ضمان استمرار الاستقرار الأمني في جنوب لبنان. غير أن القراءة السياسية لهذا الطرح داخل الأوساط اللبنانية القريبة من “حزب الله” تختلف عن الخطاب الأوروبي المعلن، إذ ترى أن الانتقال من مظلة الأمم المتحدة إلى مظلة أوروبية قد لا يكون مجرد تغيير إداري، بل تحولًا في طبيعة المهمة والدور.

فالقوات الأممية، رغم الانتقادات التي وُجهت إليها، كانت تعمل ضمن إطار القرار 1701، الذي يركز على المراقبة وتوثيق الخروقات ومساعدة الجيش اللبناني، من دون امتلاك صلاحيات عسكرية مباشرة لفرض وقائع ميدانية.

أما القوة الأوروبية المقترحة، فإنها قد تحمل في طياتها مقاربة مختلفة، خصوصًا إذا ارتبط تفويضها بدعم ترتيبات أمنية جديدة على الحدود أو بمنع عودة حزب الله إلى المنطقة الحدودية، كما ورد في تصريحات المسؤولين الألمان.

من هذه الزاوية، ينظر بعض المراقبين في لبنان إلى الوجود الأوروبي المحتمل باعتباره محاولة لإنشاء قوة ذات وظيفة أمنية وسياسية أكثر وضوحًا، تكون بمثابة رأس حربة غربية في مرحلة ما بعد “اليونيفيل”، لا مجرد قوة مراقبة محايدة. فالمخاوف المطروحة تتمحور حول احتمال انتقال المهمة من مراقبة تنفيذ الاتفاقات إلى التأثير في موازين القوى داخل الجنوب اللبناني.

رسميًا، يأتي الطرح الأوروبي نتيجة قرار إنهاء مهمة “اليونيفيل” بعد الموعد المحدد في كانون الأول 2026، والحاجة إلى منع أي فراغ أمني قد ينتج عن انسحاب آلاف الجنود الدوليين المنتشرين في جنوب لبنان.

لكن، من وجهة نظر لبنانية ناقدة للمشروع، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بمنع الفراغ، بل بطبيعة الجهة التي ستملأ هذا الفراغ. فالقوة الأممية كانت تستند إلى شرعية مجلس الأمن، وتضم دولًا من خلفيات سياسية متعددة، بينما القوة الأوروبية ستكون مرتبطة بقرار الاتحاد الأوروبي وبأجنداته السياسية والأمنية.

وقد أعلن فاديفول أن القوة الأوروبية يمكن أن تساعد في توفير الظروف لانسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان ومنع عودة حزب الله إلى المنطقة الحدودية، وهي عبارة يعتبرها مقربون من الحزب مؤشرًا على أن المهمة لا تقتصر على حفظ الاستقرار، بل تتضمن هدفًا سياسيًا يتعلق بسلاح الحزب ودوره العسكري.

رغم أن تفاصيل القوة الأوروبية لم تُحسم بعد، فإن الفارق بين المهمتين يبدو واضحًا.

فـ”اليونيفيل” تعمل بتفويض صادر عن مجلس الأمن الدولي، وتستند إلى شرعية أممية متعددة الأطراف، وتركز على المراقبة ورفع التقارير والمساعدة في تطبيق القرار 1701، ولا تملك صلاحية فرض تنفيذ القرارات بالقوة، وتضم آلاف الجنود من عشرات الدول.

أما القوة الأوروبية المقترحة، فهي تستند إلى قرار أوروبي، وليس أمميًا، وستكون بقيادة أوروبية وبتركيبة يغلب عليها الطابع الأوروبي، وقد تشمل مهامًا أوسع، مثل تدريب القوات اللبنانية، ودعم أمن الحدود، والمساعدة الاستخباراتية، وتعزيز القدرات البحرية واللوجستية، وقد تمتلك دورًا أكثر انخراطًا في الترتيبات الأمنية الجديدة.

وهنا تكمن المخاوف اللبنانية من أن تتحول القوة المقترحة من جهة مراقبة إلى طرف فاعل في إدارة المشهد الأمني في جنوب لبنان، بما يفرض معادلات جديدة على الأرض.

رغم الحماس الألماني والفرنسي والإيطالي والإسرائيلي، فإن إنشاء قوة أوروبية ليس أمرًا محسوماً. فالاتحاد الأوروبي يحتاج إلى توافق جميع الدول الأعضاء على طبيعة المهمة والتفويض والتمويل.

كما أن موافقة الدولة اللبنانية ستكون عاملًا أساسيًا، إذ لطالما أكد لبنان تمسكه باستمرار أي وجود دولي تحت مظلة الأمم المتحدة، باعتبارها الإطار الأكثر توازنًا وشرعية.

إضافة إلى ذلك، فإن الموقف الإسرائيلي سيكون مؤثرًا، خصوصًا أن تل أبيب تنظر إلى أي ترتيبات في جنوب لبنان من زاوية أمنية مرتبطة بقدرات “حزب الله” وانتشاره، وقد تطالب بتفويض أكثر تشددًا للقوة الجديدة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى