أبرزرأي

الدبلوماسية والميدان بين واشنطن وطهران

كتبت هدى رؤوف في صحيفة إندبندنت عربية.

الضربة الأميركية أم الاتفاق؟ تتزايد التساؤلات حول المرجح في السيناريوهات بالنسبة إلى التوترات بين الولايات المتحدة وإيران. وما يدفع كثراً إلى التساؤل هو أن كلاً من واشنطن وطهران ترفعان شعاري الدبلوماسية والميدان. فبينما يؤكد الطرفان على الرغبة في التفاوض والتوصل إلى اتفاق، تتسارع التحركات الإيرانية والأميركية العسكرية وإرسال رسائل الردع والتهديد واستعراض القوة بين الجانبين.

وتتزايد التعزيزات العسكرية الأميركية في المنطقة على نحو يشير إلى اقتراب هجوم أميركي محتمل على مواقع إيرانية، حتى إن قائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر كان ضمن الوفد الأميركي في اجتماع مسقط مع طهران. وعلى الجهة الأخرى، تواصل طهران استعراض قدراتها الصاروخية خلال احتفالها بذكرى الثورة الإيرانية، وتستمر في نشر التقارير حول الصواريخ الساحلية التي قد تستخدمها لمهاجمة السفن العسكرية.

ويستمر حرص إيران على تعزيز ردعها وتقول إنها ستحول المنطقة إلى حرب إقليمية حال مهاجمتها، أي تدويل صراعها مع واشنطن وإسرائيل، بالتزامن مع استمرار التهديد العسكري من جانب واشنطن لنوايا لم تتضح حتى الآن، ربما لإجبار إيران على سرعة التوصل إلى اتفاق، أو مباغتتها بضربة أميركية على غرار العام الماضي، لكن يظل الطرفان يعملان على إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة بينهما، مما تحرص عليه الأطراف الإقليمية.

قد يبدو أن هناك مرونة من الجانب الأميركي في الموافقة على عقد اجتماع مع إيران في مسقط بدلاً من تركيا واقتصار المحادثات بحسب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على الملف النووي، لكن هل يدفع ذلك طهران إلى التفاؤل بنجاحها في تفادي الهجوم العسكري؟

ووفقاً لتصريحات عراقجي فإنه لم تجرِ مناقشة سوى الملف النووي، مع إعلان إيران رفض تسليم اليورانيوم عالي التخصيب ورفض مناقشة برنامج الصواريخ الباليستية أو شبكة وكلائها الإقليميين، مما يعني أن الخلافات الرئيسة لا تزال قائمة حول التخصيب وإطار الاتفاق ومجالات التفاوض، ويلقي بظلال من الشك على النتيجة النهائية.

ويبدو أن إيران مستعدة لتقديم تنازل في ما يخص نسبة التخصيب لتصل إلى أقل من 3.67 في المئة وهي النسبة المنصوص عليها في الاتفاق النووي لعام 2015، وربما تحاول أن تقدم تنازلاً لتصل إلى نسبة واحد في المئة، ويمكن أن تعرض تجميد تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاثة أعوام وهي الفترة الباقية لإدارة الرئيس دونالد ترمب، وقد تعرض إمكان أن تدخل في اتحاد إقليمي، “كونسورتيوم”، لتخصيب اليورانيوم بالتشارك مع بعض دول الإقليم وربما دول أوروبية.

في مقابل ذلك ستطلب إيران رفع العقوبات، إضافة إلى تعويض عن الخسائر التي لحقت بها جراء الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، وهو مطلب قد لا تقف كثيراً عنده، وإنما ستطالب به كنوع من المناورة خلال المفاوضات، وربما تعرض الإفراج عن بعض المسجونين الأميركيين مزودجي الجنسية.

وقد يكون تأسيس “كونسورتيوم” إقليمي لتخصيب اليورانيوم حلاً في ما يخص نسبة التخصيب حتى تتفادى إيران مطلب التخصيب الصفري الذي تعتبره هو الآخر خطاً أحمر، لكن تظل هناك معضلة أنها ربما توافق على “الكونسورتيوم” داخل أراضيها وليس خارجها، مما قد يكون مشكلة يمكن تفاديها عبر عرض نسبة ضئيلة من التخصيب داخل منشآتها.

وإذا تم الاتفاق وفقاً لما سبق، فنحن هنا بصدد اتفاق أو صفقة بين إيران وواشنطن وليس اتفاقاً طويل الأمد وشاملاً، ونظراً إلى شخصية ترمب البراغماتية التي تبحث عن المنافع الآنية وتحقيق مكسب يروج له فربما يوافق، لكن من جهة هناك العامل الرئيس لتخريب أي اتفاق إيراني- أميركي أي إسرائيل، إذ جعلت حرب الـ12 يوماً تل أبيب تدرك أنه من الضروري لأمنها أن تقضي على البرنامج الصاروخي الإيراني الذي سرعان ما قامت بتطويره، لكن طهران تعتبره خطاً أحمر يمس أمنها القومي وعقيدتها الدفاعية.

ووفقاً لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد زيارة ترمب في واشنطن، فإنه من الضروري أن يتضمن أي اتفاق مخاوف إسرائيل بما فيها الصواريخ الباليستية، مما يعني بالنسبة إلى إيران أنه حتى لو تم الاتفاق بينها وواشنطن، فإن إسرائيل لا تزال تحتفظ بحق مهاجمتها إذا طورت قدراتها الصاروخية، وهو ما ستستمر إيران في فعله، لذا تعي طهران أن أي اتفاق لا يعني أنها لن تكون عرضة لهجوم إسرائيلي مباشر أو عودة عمليات التخريب والهجمات على أهداف حيوية داخل أراضيها.

ربما يحاول ترمب أن يمنح فرصة للدبلوماسية المشروطة مع إيران، نظراً إلى الوساطات الإقليمية التي بات واضحاً لها الإصرار الإيراني على إطلاق شرارة بؤر التصعيد في جميع جبهات المنطقة، ولا سيما إحداث توترات في أمن الخليج للتأثير في أمن الطاقة العالمي، خصوصاً مع إعلان بعض الميليشيات المسلحة في المنطقة نيتها دعم إيران إذا تعرضت لضربة، مما يعني أن المنطقة ستشهد صراعاً أقوى وأوسع من الذي شهدته على مدى الأعوام الثلاثة الماضية منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى