افتتاحية اليوم: نحاس الدولة المنهوب

لم تعد أزمة الكهرباء في لبنان مرتبطة فقط بانقطاع التيار أو بعجز الإنتاج أو بفشل الخطط المتعاقبة، بل باتت تعكس وجهًا أكثر خطورة يتمثل في التفكك الإداري والرقابي داخل واحدة من أكثر المؤسسات استنزافًا للمال العام. فالكشف عن سرقة نحو 500 طن من كابلات النحاس التابعة لمؤسسة كهرباء لبنان، واستدعاء المدير العام للمؤسسة، كمال حايك، إلى مكتب أمن الدولة في المرفأ بقرار من النائب العام المالي ماهر شعيتو، بعد توقيف مشتبهين بهما، فتح الباب أمام واحدة من أكبر الفضائح المرتبطة بمرافق الدولة في السنوات الأخيرة.
القضية لا تتعلق بسرقة عادية لمواد قابلة للبيع، بل بعملية منظمة تطال بنية تحتية حيوية يُفترض أنها تقع تحت حماية مباشرة من الدولة. فالنحاس الموجود داخل كابلات الكهرباء يشكل جزءًا أساسيًا من الشبكات والتجهيزات، وسرقته بهذا الحجم تعني أن الأمر احتاج إلى عمليات نقل وتخزين وتغطية وتسهيلات، يصعب تصور حصولها من دون وجود ثغرات خطيرة أو تواطؤ داخلي أو غياب كامل للرقابة.
وتأتي هذه الفضيحة في وقت يعيش فيه اللبنانيون واحدة من أسوأ أزمات الكهرباء في تاريخ البلاد، حيث أصبحت التغذية الرسمية شبه معدومة في معظم المناطق، فيما ترتفع فاتورة الاشتراكات الخاصة بشكل جنوني. لذلك، فإن أي اعتداء على تجهيزات المؤسسة يجب ألّا يُنظر إليه فقط كجريمة مالية، بل كاعتداء مباشر على ما تبقى من قدرة الدولة على تأمين الحد الأدنى من الخدمات العامة.
والأخطر في الملف أن القضية تعيد تسليط الضوء على واقع مؤسسات الدولة التي تحولت، خلال سنوات الانهيار، إلى مساحات رخوة تتراجع فيها الرقابة وتتداخل فيها المصالح السياسية والإدارية. فحين تختفي مئات الأطنان من النحاس من مؤسسة عامة من دون اكتشاف فوري، فإن السؤال لا يكون فقط: من سرق؟ بل كيف مرّت هذه الكميات؟ ومن سهّل خروجها؟ وأين كانت أجهزة التفتيش والحماية والمراقبة؟
كما أن استدعاء المدير العام للمؤسسة يحمل دلالات تتجاوز البعد القضائي المباشر، إذ يعكس اتجاهًا نحو تحميل الإدارة العليا جزءًا من المسؤولية، سواء عبر التقصير أو الإهمال أو سوء الإدارة، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التحقيقات التي لن تقف عند حدود الموظفين الصغار، بل قد تمتد إلى شبكات أوسع مرتبطة بمناقصات وتلزيمات ومستودعات وآليات نقل وبيع خردة المعادن.
وفي بلد اعتاد اللبنانيون فيه على ملفات الفساد من دون محاسبة فعلية، تبدو هذه القضية اختبارًا جديًا لقدرة القضاء والأجهزة الأمنية على الذهاب حتى النهاية. فالرأي العام لم يعد يكتفي بإثارة الفضائح إعلاميًا، بل ينتظر كشفًا واضحًا للوقائع، ومحاسبة للمسؤولين، واستعادةً للأموال والممتلكات المنهوبة.
لا شك أن ما جرى داخل مؤسسة كهرباء لبنان ليس حادثًا معزولًا، بل صورة واضحة عن دولة تتآكل مؤسساتها من الداخل. فحين تصبح البنية التحتية نفسها عرضة للسرقة المنظمة، تتحول الأزمة من أزمة خدمات إلى أزمة وجود دولة قادرة على حماية ممتلكاتها وإدارة مرافقها. وبين العتمة الكهربائية والعتمة الإدارية، يبقى اللبنانيون وحدهم يدفعون الثمن.




