افتتاحية اليوم : لبنان يختنق

لم يعد التلوث في لبنان مجرد مشكلة بيئية عابرة أو ملفاً مؤجلاً على رفوف الإدارات الرسمية، بل تحول إلى أزمة وطنية شاملة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية وتنعكس مباشرة على صحة المواطنين واقتصاد البلاد ومستقبل الأجيال. ففي السنوات الأخيرة، برز لبنان في مراتب متقدمة ضمن المؤشرات العالمية المتعلقة بالتلوث، في مشهد يعكس حجم التدهور الذي أصاب البيئة اللبنانية نتيجة تراكم الأزمات وغياب السياسات المستدامة، وتتجلى الأزمة البيئية في أكثر من قطاع، فالهواء الذي يتنفسه اللبنانيون بات مثقلاً بالانبعاثات الناتجة عن الازدحام المروري وانتشار المولدات الكهربائية الخاصة التي أصبحت جزءاً من المشهد اليومي في ظل أزمة الطاقة المزمنة ناهيك عن التلوث الناجم عن الحروب الإسرائيلية المتكررة على لبنان، إضافة الى تراجع الرقابة البيئية وتزايد الاعتماد على الوقود الملوث، كل ذلك جعل مستويات التلوث الهوائي ترتفع إلى حدود مقلقة، ما أدى إلى زيادة المخاطر الصحية المرتبطة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والشرايين.
ولا تقل أزمة المياه خطورة عن أزمة الهواء، فالكثير من الأنهار والمجاري المائية تعاني من التلوث الناتج عن تصريف المياه المبتذلة والنفايات الصناعية والزراعية لا سيما نهر الليطاني، فيما تتعرض المياه الجوفية لمخاطر متزايدة بسبب غياب المعالجة السليمة وضعف البنية التحتية. وهكذا يجد اللبناني نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في صعوبة الحصول على مياه نظيفة وفي ارتفاع كلفة البدائل الخاصة.
أما ملف النفايات، الذي انفجر مراراً خلال السنوات الماضية، فلا يزال شاهداً على العجز المزمن في إدارة الشأن البيئي، فالمطامر العشوائية والحرق المكشوف للنفايات والتكدس المتكرر للأكياس في العديد من المناطق تحولت إلى مصدر دائم للتلوث، يهدد التربة والمياه والهواء في آن واحد. وأصبحت مشاهد النفايات المتراكمة رمزاً لأزمة أعمق تتعلق بغياب التخطيط والاستثمار في الحلول المستدامة.
وتزداد الصورة قتامة مع ما تعرضت له مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والأحراج في السنوات الأخيرة من أضرار بيئية جسيمة، الأمر الذي انعكس على المساحات الخضراء التي كانت تشكل متنفساً طبيعياً للبنانيين. كما أن تراجع الغطاء النباتي وازدياد التصحر يضاعفان من آثار التغير المناخي ويجعلان لبنان أكثر هشاشة أمام الكوارث البيئية.
لا شك إن خطورة التلوث في لبنان لا تكمن فقط في آثاره الحالية، بل في كونه تهديداً مباشراً للمستقبل، فكل تأخير في معالجة هذه الأزمة يعني مزيداً من الأعباء الصحية والاقتصادية والاجتماعية، ومزيداً من استنزاف الموارد الطبيعية. ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى إطلاق رؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار للبيئة باعتبارها جزءاً أساسياً من الأمن الوطني، لا ملفاً ثانوياً يمكن تأجيله.
فلبنان الذي عُرف يوماً بجمال طبيعته وتنوع بيئته، يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما الانخراط في مسار إنقاذ بيئي جدي ومستدام، وإما الاستمرار في دوامة التلوث التي تهدد بتحويل الأزمة من مشكلة قابلة للعلاج إلى واقع يصعب تغييره.




