افتتاحية اليوم: الرصاص الطائش… وحياة اللبنانيين

لم تعد ظاهرة إطلاق النار العشوائي في لبنان مجرد سلوك عابر مرتبط بمناسبة أو حدث، بل تحولت إلى خطر يومي يهدد حياة المواطنين، ويزرع القلق في نفوسهم، في ظل تكرار الحوادث التي تؤدي إلى إصابات بشرية وأضرار مادية جسيمة.
وفي الوقت الذي تتعدد فيه الدوافع بين الاحتفالات، والخلافات الشخصية، والاستعراضات المسلحة، تبقى النتيجة واحدة: مجتمع يعيش تحت رحمة رصاص لا يعرف هدفه.
هذه الظاهرة، التي تتفاقم في مختلف المناطق، تعكس خللًا عميقًا في ثقافة التعامل مع السلاح. ومن المعلوم أن الرصاص الذي يُطلق في الهواء لا يختفي، بل يعود ليسقط على رؤوس الأبرياء أو على ممتلكاتهم، محولًا لحظات الفرح إلى مآسٍ غير متوقعة. وقد شهدت السنوات الأخيرة حوادث مؤلمة، أُصيب فيها مدنيون داخل منازلهم أو في الشوارع، ما يعزز الشعور بانعدام الأمان حتى في أكثر الأماكن خصوصية.
لا يمكن فصل انتشار هذه الظاهرة عن الواقع الأمني والاجتماعي العام، حيث يسهم ضعف تطبيق القوانين، وغياب المحاسبة الجدية من قبل الدولة، في تشجيع البعض على التمادي. فحين يفلت المرتكب من العقاب، تتحول المخالفة إلى عرف، ويصبح السلاح وسيلة تعبير اعتيادية، بدلًا من أن يبقى في إطار الضبط القانوني.
كما أن العوامل الثقافية تلعب دورًا لا يقل أهمية، إذ لا يزال البعض يعتبر إطلاق النار تعبيرًا عن الفرح أو القوة، متجاهلًا مخاطره الكارثية. وهنا تبرز الحاجة إلى تغيير في الوعي المجتمعي، يواكب الجهود الأمنية، عبر حملات توعية جادة تسلط الضوء على النتائج المأساوية لهذه الممارسات.
وبفعل ما تخلفه عمليات إطلاق النار العشوائي من أضرار، يطالب المواطنون الأجهزة الأمنية باتخاذ إجراءات أكثر صرامة، تبدأ بتطبيق القوانين الموجودة بحزم، مرورًا بملاحقة المخالفين دون استثناء، وصولًا إلى ضبط انتشار السلاح غير الشرعي، لأن المعالجة الأمنية وحدها، وإن كانت ضرورية، لا تكفي ما لم تترافق مع إرادة سياسية واضحة تضع حدًا لهذا الانفلات.
إن استمرار هذه الظاهرة دون معالجة جذرية يهدد بتكريس مناخ من الفوضى، ويقوض ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها. لذلك، فإن التصدي للرصاص الطائش لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحة لحماية الأرواح، وإعادة الاعتبار لهيبة القانون، في بلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الأخطار المفتوحة على احتمالات مأساوية.




