
محمد خواجوئي – الأخبار:
مع دخول الحرب بين إيران والولايات المتحدة مرحلة «حرب الناقلات»، تتصاعد المخاوف من نزاع طويل يهدّد أسواق الطاقة، فيما تراهن طهران وواشنطن على الوقت والضغط لإخضاع الطرف الآخر، وسط تعثّر المسار الدبلوماسي.
طهران | تزامناً مع دخول المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، مرحلة «حرب الناقلات» التي تسبّبت في ارتفاع حادّ في أسعار النفط في الأسواق العالمية، رفعت إحالة الملف النووي الإيراني من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» إلى مجلس الأمن، من مستوى التوتّرات أيضاً. ورغم بعض التحرّكات الدبلوماسية المحدودة، ومنها زيارة الوفد القطري الأخيرة إلى طهران، لا تلوح في الأفق أيّ مؤشرات على قرب انتهاء هذه التوتّرات أو توصّل الطرفَين إلى اتفاق، فيما يبدو أن كلّاً من الجانبَين لا يزال يراهن على إخضاع الآخر.
إزاء ذلك، يطُرح سؤال، في الأوساط الإعلامية الأميركية، حول ما إذا كانت الحرب ستتحوّل إلى نزاع إقليمي طويل الأمد، قد يؤدّي إلى صدمة كبرى في أسواق الطاقة؟ بحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن عدداً من كبار المسؤولين في إدارة دونالد ترامب، بمن فيهم نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، أشاروا، في محادثات خاصة، إلى احتمالية استمرار الصراع مع إيران حتى نهاية مدة ولاية ترامب، أي خلال العامَين والأربعة أشهر المقبلة. ويعاكس هذا التقدير ما كان بدأ ترامب تسويقه لناحية إمكانية انتهاء الحرب «فور انتهاء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس» المقرَّرة بعد شهرَين.
وعلى أيّ حال، لم تعُد الولايات المتحدة تكتفي باستهداف المنشآت العسكرية في جنوب إيران المطلّة على مضيق هرمز، بل باتت تستهدف ناقلات النفط الإيرانية أيضاً، ساعيةً، عبر تشديد الحصار البحري والضغوط الاقتصادية، إلى إرساء معادلة ميدانية جديدة تأمل أن تتمخّض عنها اتفاقية تختلف عمّا كان عليه «تفاهم إسلام آباد» -الذي لم ينجح في تكريس صورة الطرف المنتصر للولايات المتحدة وترامب-، وتحقّق الأهداف القصوى لواشنطن. وعليه، لا يبدي الأميركيون راهناً استعداداً للمضيّ قُدُماً في المسار الدبلوماسي.
غير أنه ليس من السهل أن تسير الرياح وفق ما يشتهيه البيت الأبيض؛ إذ رغم اعتقاد الأوساط المقرّبة من ترامب، بأن إيران تتعرّض لضغط غير مسبوق، أدى إلى إضعاف قدراتها العسكرية وركائزها الاقتصادية، وأن الهجمات الإيرانية على السفن الأميركية في المنطقة تعدّ مؤشراً على عجز طهران، ترى الأوساط المنتقِدة، ولا سيما في معسكر «الديمقراطيين»، أن طهران أثبتت قدرتها على فرض تكاليف باهظة على الاقتصادَين الأميركي والعالمي، وأن سياسة «الضغوط القصوى» قد تؤدي إلى تصعيد التوتّرات بدلاً من إخضاع إيران. ومن بين المؤشّرات التي يستند إليها هؤلاء، تكثيف الهجمات الإيرانية على البوارج والسفن والناقلات والقواعد الأميركية، لا سيما في الأردن، واتخاذ إجراءات من مثل فرض «منطقة محظورة» موسّعة في مضيق هرمز، وما تبع ذلك من ارتفاع في أسعار النفط العالمية في الأيام الأخيرة.
واشنطن تسعى إلى إرساء معادلة ميدانية تتمخّض عنها اتفاقية تختلف عن «تفاهم إسلام آباد»
على الجانب الآخر، تتمثّل استراتيجية إيران الراهنة في مواصلة الحرب غير المتكافئة، وفرض كلفة باهظة على الولايات المتحدة، بما قد يجبر الأخيرة على التراجع. وفي إطار هذه الاستراتيجية فحسب، تسعى طهران إلى الردّ على كلّ ضربة بمثلها، بل تتجاوز ذلك أحياناً نحو خلخلة معادلة «التكلفة والعائد» لدى الخصم، وهو ما يندرج في إطاره ضرب القطع البحرية المرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها. وإذ تتطلّع إيران، عبر هذا التكتيك، إلى إفهام الولايات المتحدة أن تشديد الخناق عليها يعني أخذ النفط والأمن العالميّين رهينة، فإن حسابها الأساسي يرتكز على عامل الوقت؛ إذ هي ترنو بأنظارها نحو الانتخابات الأميركية، حيث تأمل أن يؤدّي تعاظم الكلفة السياسية المترتّبة على استمرار الحرب بالنسبة إلى الرئيس الأميركي، إلى تصدّع التحالف الذي تقوده واشنطن، وإعادة الأخيرة إلى طاولة المفاوضات، ولكن هذه المرّة من موقع أضعف. في الوقت نفسه، تفتقر إيران إلى أيّ ثقة بالولايات المتحدة؛ فالانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي، وسياسة «الضغوط القصوى»، وشنّ الضربات العسكرية في خضمّ المفاوضات، والتنصّل من «تفاهم إسلام آباد»، كلّها عوامل رسّخت قناعة لديها بأن أيّ اتفاق يفتقر إلى ضمانات عملية، ليس سوى فرصة لتوجيه الضربة التالية. وعليه، فهي تطالب باتفاق يكفل بوضوح رفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمّدة، ويمنع تكرار الهجمات.
مع ذلك، إذا ما شعرت إيران بأن الضغوط باتت تهدّد وجود النظام ذاته، فقد تنتقل من استراتيجية المقاومة الاستنزافية، إلى تصعيد خطير ومفتوح. وعندها، يمكن لأيّ خطأ في الحسابات، أن يعيد دحرجة الأمور إلى مربّع الحرب الشاملة. وعليه، فإذا كانت طهران لا تخوض هذه اللعبة سعياً وراء نصر سريع وحاسم، بل من أجل البقاء، وفرض الكلفة الباهظة على الخصم؛ فإن عامل الوقت يغدو بالنسبة إليها سلاحاً ماضياً ومصدراً للخطر في آن.



