أوكرانيا تغرق في الظلام

كتب عبد الحفيظ جمال, في الخليج:
على الرغم من أن الحرب الروسية‑الأوكرانية اندلعت في فبراير(شباط) 2022، واحتلت في السنوات الأولى مساحات واسعة من اهتمام الإعلام والسياسة الدولية، إلا أن الصراع اليوم بدا وكأنه يغرق في الظلام من حيث التغطية والاهتمام العالمي، بينما تستمر جذوره في التمدد إلى ما هو أبعد من حدود الجبهات العسكرية.
هذا الظلام ليس فقط في تقلص أخبار الحرب على الواجهة الإعلامية العالمية، بل أيضاً في غياب مؤشرات واضحة على نهاية وشيكة للنزاع. كما أن هذا التراجع في الاهتمام الإعلامي يقلل من الضغط الدولي لإيجاد حلول عاجلة، ما يمنح أطراف النزاع هامشاً أوسع لاستمرار المواجهات.
في السنوات الماضية واجهت أوكرانيا صعوبات متزايدة على الجبهات العسكرية، مع تقدم محدود لصالح القوات الروسية، وعدم تمكن الجانب الأوكراني من تحقيق اختراقات استراتيجية كبيرة. مع مرور الوقت، انخفضت وتيرة التغطية الدولية، وأصبحت الأزمة أقل حضوراً في النقاشات الإعلامية اليومية، بينما لا تزال الحرب مستمرة بلا نهاية واضحة في الأفق.
وأصبح المشهد الميداني يشير إلى صراع استنزافي طويل الأمد من دون تقدم حاسم. وقد سجلت مصادر متعددة خسائر متكررة في المعدات والقدرات العسكرية لأوكرانيا، مع استمرار القتال على خطوط الجبهة رغم التوقعات السابقة التي كانت توحي باحتمال إنهاء الصراع قريباً. ويتوقع المراقبون أن استمرار هذه الوتيرة سيؤثر في الروح المعنوية للمدنيين والجنود على حد سواء.
على الصعيد الدولي، رغم استمرار العقوبات على روسيا والدعم المقدم من الدول الغربية لأوكرانيا، فإن العديد من القوى الكبرى لم تعد تتفاعل مع الأزمة بنفس الزخم الذي كان سائداً في السنوات الأولى، ما يعطي انطباعاً بأن الاهتمام السياسي والإعلامي قد وضع الحرب في «الظل».
وفي المقابل، تظهر توقعات داخل روسيا برغبة في إنهاء الحرب على بعض الشروط التي تخدم مصالح موسكو، ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل الحل السياسي أكثر صعوبة. وهذا الوضع يعكس أيضاً انقسامات دولية حول أفضل السبل للتعامل مع الأزمة من دون تفاقم التوترات العالمية.
استمرار الحرب في هذا الظلام يؤكد أن الأزمة لا تقتصر على خطوط الجبهة فحسب، بل تمتد لتشمل المعاناة الإنسانية الحادة التي يعيشها المدنيون، خاصة مع تدمير البنية التحتية وانقطاع الطاقة والمرافق الأساسية. فالشتاء القارس والأضرار المتراكمة جعلت من الحياة اليومية في أوكرانيا معركة بحد ذاتها، وسط شعور باستمرار المأساة وغياب أي أفق للحل. وفي الوقت نفسه، يظل المجتمع الدولي مطالباً بإيجاد آليات فعالة لدعم المدنيين وتخفيف معاناتهم اليومية.
في النهاية، بينما تغيب الأحداث الكبرى عن الأضواء الإعلامية، تبقى الحقيقة المرة أن أوكرانيا تغرق في الظلام بمعنى آخر: الظلام الإنساني، الاقتصادي والاجتماعي، الذي لا يقل فداحة عن القتال نفسه. ومع استمرار هذا الصراع الطويل، يبقى السؤال المطروح: هل سيصل الضوء قبل أن تتفاقم المعاناة بأبعادها المختلفة وتصبح الأزمة أصعب من أي وقت مضى؟




